فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
هذه الآية نزلت لتأديب المسلمين عامة وللصحابة بالأخص، في كيفية معاملتهم مع نبي المرحمة صلى الله عليه وسلم وتوقيره وتبجيله، والآية عامة اللفظ إلا أن يأتي ما يخصصها، فكيف يقول هذا التيجاني أن الله سبحانه يهدده هكذا بإحباط عمله، وقد ذُكِرَ أنّ سبب نزول الآية أكثر من سبب منها أن أبا بكر وعمر تماريا فنزلت هذه الآيات وابتدأت ب { يا أيها الذين آمنوا...} ومن هنا نعلم أن نزول هذه الآية هي لتربية الصحابة وتعليمهم وتنبيههم لهذا الأمر بالقرآن، ليكونوا خير الناس بصحبة نبيهم صلى الله عليه وسلم وليست تختص بأبي بكر وحده، فقد روى مسلم أنها نزلت في ثابت بن قيس فعن أنس بن مالك أنه قال لما نزلت هذه الآية: يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي، إلى آخر الآية. جلس ثابت بن قيس وقال: أنا من أهل النار، واحتبس عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ فقال: يا أبا عمرو، ما شأن ثابت؟ أَشتكى؟ قال سعد: إنه لجاري، وما علمت له بشكوى، قال: فأتاه سعد فذكر له قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال ثابت: أُنزلت هذه الآية ولقد علمتم أني من أرفعكم صوتًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنا من أهل النار فذكر ذلك سعد للنبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بل هو من أهل الجنة 27 فكيف بأبي بكر الذي بشره النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة مرات ومرات، والذي كان من أول المستجيبين والمتأدبين مع هذا الأمر الإلهي، فقد أخرج الحاكم في المستدرك موصولًا وابن مردويه من طريق بن شهاب عن أبي بكر قال لما نزلت لا ترفعوا أصواتكم.. الآية، قال أبي بكر: قلت يا رسول الله آليت أن لا أكلمك إلا كأخي السرار 2 وخلاصة القول أن أبا بكر الصديق ليس معصومًا بل يخطئ ويصيب، وينبّه على خطئه، فالقرآن يؤدبه، والنبي صلى الله عليه وسلم يربّيه، وهذا مدح له وليس قدح به هذا لمن يفهم.
ثم يكرر ما سبق الجواب عليه ثم يقول .. وأنه لم يكن أحرق الفجاءة السلمي 2، أقول: عجبًا والله من هؤلاء الزعانف الذين يحتجون بما هو حجة عليهم لا لهم فالإحراق بالنار عن عليّ أشهر وأظهر منه عن أبي بكر، وأنه قد ثبت في الصحيح أن عليًا أُتي بقوم زنادقة من غلاة الشيعة، فحرّقهم بالنار، فبلغ ذلك ابن عباس، فقال: لو كنت أنا لم أحرّقهم بالنار، لنهْي النبي صلى الله عليه وسلم أن يُعذّب بعذاب الله، ولضربت أعناقهم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم من بدل دينه فاقتلوه فبلغ ذلك عليًا، فقال: ويح أبن أم الفضل ما أسقطه على الهنات. فعليّ حرّق جماعة بالنار، فإن كان ما فعله أبو بكر منكرًا، ففعل عليّ أنكر منه، وإن كان فعل عليّ مما لا يُنْكر مثله على الأئمة، فأبو بكر أولى أن لا ينكر عليه 30.
أما قوله وأنه يوم السقيفة كان قذف الأمر في عنق أحد الرجلين عمر أو أبي عبيدة 31. قلت:
هذه الحجة المردودة أجاب عليها الحافظ ابن حجر في كتابه فتح الباري بما يغني عن الرد فقال وقد استشكل قول أبي بكر هذا مع معرفته بأنه الأحق بالخلافة بقرينة تقديمه للصلاة وغير ذلك، والجواب أنه استحيى أن يزكي نفسه فيقول مثلا رضيت لكم نفسي، وانضم إلى ذلك أنه علم أنّ كلا منهما لا يقبل ذلك، وقد أفصَح عمر بذلك في القصة، وأبو عبيدة بطريق الأولى لأنه دون عمر في الفضل باتفاق أهل السنة، ويكفي أبا بكر كونه جعل الاختيار في ذلك لنفسه فلم ينكر ذلك عليه أحد، ففيه إيماء إلى أنه الأحق، فظهر أنه ليس في كلامه تصريح بتخلية من الأمر32، وقال في موضع آخر وتمسّك بعض الشيعة بقول أبي بكر قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين بأنه لم يكن يعتقد وجوب إمامته ولا استحقاقه للخلافة، والجواب من أوجه: أحدهما ان ذلك كان تواضعًا منه، والثاني لتجويزه إمامة المفضول مع وجود الفاضل، وإن كان من الحق له فله أن يتبرع لغيره، الثالث أنه علم أن كلا منهما لا يرضى أن يتقدمه فأراد بذلك الإشارة إلى أنه لو قدر أنه لا يدخل في ذلك لكان الأمر منحصرًا فيهما، ومن ثم لمّا حضره الموت استخلف عمر لكون أبي عبيدة كان إذ ذاك غائبًا في جهاد أهل الشام متشاغلا بفتحها، وقد دلّ قول عمر لأن أُقدم فتُضرب عنقي ألخ على صحة الإحتمال المذكور 33.
ثم يقول فالذي هو على هذه الدرجة من الإيمان ويرجح إيمانه على إيمان كل الأمة لا يندم في آخر لحظات حياته على ما فعله مع فاطمة وعلى حرقه الفجاءة السلمي وعلى توليه الخلافة، كما لا يتمنى أن لا يكون من البشر ويكون شعرة أو بعرة، أفيعادل إيمان مثل هذا الشخص إيمان الأمة الإسلامية بل يرجح عليها 34. أعتقد أنني قد أجبت على كل ذلك، ولكن الغريب هنا ملاحظة كثرة تكرار التيجاني لكلامه بما يوحي أن المؤلف نفسه لا يصدق ما يكتب، أو لعله يظن أن القراء قليلو الفهم فيجب تكرار الكلام عليهم حتى يعوهُ، متخذًا المثل القائل تكرار الكلام يعلم الشطار !!