الثالث: أن يقال: فقد كان يجب بيانها من النبي صلى الله عليه وسلم لأمته الباقين [من] بعده، كما بين لهم أمور الصلاة والزكاة والصيام والحج، [وعين] أمر الإيمان بالله وتوحيده واليوم الآخر. ومن المعلوم أنه ليس بيان مسألة الإمامة في الكتاب والسنة كبيان هذه الأصول.
فإن قيل: بل الإمامة في كل زمان هي الأهم، والنبي صلى الله عليه وسلم كان نبيًا إمامًا، وهذا كان معلومًا لمن آمن به أنه [كان] إمام ذلك الزمان.
قيل: الاعتذار بهذا باطل من وجوه:
أحدها: أن قول القائل: الإمامة أهم المطالب في أحكام الدين: إما أن يريد به إمامة الاثني عشر، أو إمام كل زمام بعينه في زمانه، بحيث يكون الأهم في زماننا الإيمان بإمامة محمد المنتظر، والأهم في زمان الخلفاء الأربعة الإيمان بإمامة عليّ عندهم، والأهم في زمان النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان بإمامته. وإما أن يراد به الإيمان بأحكام الإمامة مطلقًا غير معين. وإما أن يراد به معنى رابعًا.
أما الأول: فقد عُلم بالاضطرار أن هذا لم يكن معلومًا شائعًا بين الصحابة ولا التابعين، بل الشيعة تقول: إن كل واحد إنما يُعيّن بنص مَنْ قبله، فبطل أن يكون هذا أهم أمور الدين.
وأما الثاني: فعلى هذا التقدير يكون أهم المطالب في كل زمان الإيمان بإمام ذلك الزمان، ويكون الإيمان من سنة سِتين ومائتين إلى هذا التاريخ إنما هو الإيمان بإمامة محمد بن الحسن، ويكون هذا أعظم من الإيمان بأنه لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ومن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، ومن الإيمان بالصلاة والزكاة والصيام والحج وسائر الواجبات. وهذا مع أنه معلوم فساده بالاضطرار من دين المسلمين، فليس هو مذهب الإمامية، فإن اهتمامهم بعلي وإمامته أعظم من اهتمامهم بإمامة المنتظر، كما ذكره هذا المصنف وأمثاله من شيوخ الشيعة.
وأيضًا: فإن كان هذا هو أهم المطالب في الدين فالإمامية أخسر الناس صفقة في الدين، لأنهم جعلوا الإمام المعصوم هو الإمام المعدوم والذي لم ينفعهم في دين ولا دنيا، فلم يستفيدوا من أهم الأمور الدينية شيئًا من منافع الدين ولا الدنيا.
فإن قالوا: إن المراد [أن] الإيمان بحكم الإمامة مطلقًا هو أهم أمور الدين. كان هذا أيضًا باطلًا للعلم الضروري أن غيرها من أمور الدين أهم منها.
وإن أريد معنى رابع فلابد من بيانه لنتكلم عليه.
الوجه الثاني: أن يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم تجب طاعته على الناس لكونه إمامًا، بل لكونه رسول الله إلى الناس. وهذا المعنى ثابت له حيًّا وميتًا، فوجوب طاعته على من بعده، كوجوب طاعته على أهل زمانه. وأهل زمانه فيهم الشاهد الذي يسمع أمره ونهيه، وفيهم الغائب الذي بلَّغه الشاهد أمره ونهيه، فكما يجب على الغائب عنه في حياته طاعة أمره ونهيه، يجب ذلك على من يكون بعد موته.
وهو صلى الله عليه وسلم أمره شامل عام لكل مؤمن شهده أو غاب عنه في حياته وبعد موته، وليس هذا لأحد من الأئمة ولا يستفاد هذا بالإمامة حتى أنه صلى الله عليه وسلم إذا أمر ناسًا معينين بأمور، وحكم في أعيان معينة بأحكام، لم يكن حكمه وأمره مختصًا بتلك المعينات، بل كان ثابتًا في نظائرها وأمثالها إلى يوم القيامة. فقوله صلى الله عليه وسلم لمن شهده: «لا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود» ، هو حكم ثابت لكل مأموم بإمام أن لا يسبقه بالركوع ولا بالسجود. وقوله لمن قال: لم أشعر فحلقت قبل أن أرمي. قال: «ارم ولا حرج» . ولمن قال: نحرت قبل أن أحلق.
قال: «احلق ولا حرج» ، أمر لمن كان مثله. وكذلك قوله لعائشة - رضي الله عنها - لما حاضت وهي معتمرة: «اصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت» ، وأمثال هذا كثير، بخلاف الإمام إذا أطيع.
وخلفاؤه بعده في تنفيذ أمره ونهيه كخلفائه في حياته، فكل آمر بأمر يجب طاعته [فيه] إنما هو منفذ لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن الله أرسله إلى الناس وفرض عليهم طاعته، لا لأجل كونه إمامًا له شوكة وأعوان، أو لأجل أن غيره عهد إليه بالإمامة [أو غير ذلك] . فطاعته لا تقف على ما تقف عليه طاعة الأئمة من عهد من قبله أو موافقة ذوي الشوكة أو غير ذلك، بل تجب طاعته صلى الله عليه وسلم وإن لم يكن معه أحد وإن كذبه جميع الناس.