وكانت طاعته واجبة بمكة قبل أن يصير له أنصار وأعوان يقاتلون معه، فهو كما قال سبحانه [فيه] : { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ} [سورة آل عمران: 144] ، بيَّن سبحانه وتعالى أنه ليس بموته ولا قتله ينتقض حكم رسالته كما ينتقض حكم الإمامة بموت الأئمة وقتلهم، وأنه ليس من شرطه أن يكون خالدًا لا يموت، فإنه ليس هو ربًّا وإنما هو رسول قد خلت من قبله الرسل، وقد بلَّغ الرسالة وأدَّى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده وعبد الله حتى أتاه اليقين من ربه، فطاعته واجبة بعد مماته وجوبها في حياته وأوكد، لأن الدين كمل واستقر بموته فلم يبق فيه نسخ، ولهذا جُمع القرآن بعد موته كماله واستقراره بموته.
فإذا قال القائل: إنه كان إمامًا في حياته، وبعده صار الإمام غيره. إن أراد بذلك أنه صار بعده من هو نظريه يُطاع كما يطاع الرسول، فهذا باطل. وإن أراد أنه قام من يخلفه في تنفيذ أمره ونهيه، فهذا كان حاصلًا في حياته فإنه إذا غاب كان هناك من يخلفه.
وإن قيل: إنه بعد موته لا يباشر معينًا بالأمر بخلاف حياته.
قيل: مباشرته بالأمر ليست شرطًا في وجوب طاعته، بل تجب طاعته على من بَلَغه أمره [ونهيه] ، كما تجب طاعته على من سمع كلامه، وقد كان يقول: «ليُبَلِّغ الشاهد الغائب فرب مُبلَّغ أوعى من سامع» .
وإن قيل: إنه في حياته كان يقضي في قضايا معينة، مثل إعطاء شخص بعينه، وإقامة الحد على شخص بعينه، وتنفيذ جيش بعينه.
قيل: نعم. وطاعته واجبة في نظير ذلك إلى يوم القيامة بخلاف الأئمة، لكن قد يخفى الاستدلال [على نظير ذلك] كما يخفى العلم على من غاب عنه. فالشاهد أعلم بما قال وأفهم له من الغائب، وإن كان فيمن غاب وبُلِّغ أمره من هو أوعى له من بعض السامعين، لكن هذا التفاضل الناس في معرفة أمره ونهيه، لا [لتفاضلهم] في وجوب طاعته عليهم، فما تجب طاعة ولي الأمر بعده إلا كما تجب طاعة ولاة الأمور في حياته. فطاعته واجبة شاملة لجميع العباد شمولًا واحدًا، وإن تنوعت طرقهم في البلاغ والسماع والفهم. فهؤلاء يبلغهم من أمره ما لم يبلغ هؤلاء، وهؤلاء يسمعون من أمره ما لم يسمعه هؤلاء، وهؤلاء يفهمون من أمره ما لم يفهمه هؤلاء.
وكل من أمر بما أمر به الرسول وجبت طاعته طاعة الله ورسوله لا له، وإذا كان للناس ولي أمر قادر ذو شوكة فيأمر بما يأمر ويحكم بما يحكم، انتظم الأمر بذلك، ولم يجز أن يُوَلَّى غيره، ولا يمكن بعده أن يكون شخص واحد مثله، إنما يوجد من هو أقرب إليه من غيره، فأحق الناس بخلافة نبوته أقربهم إلى الأمر بما يأمر به والنهي عما نهى عنه، ولا يطاع أمره طاعة ظاهرة غالبة إلا بقدرة وسلطان يوجب الطاعة، كما لم يُطع أمره في حياته طاعة [ظاهرة] غالبة حتى صار معه من يقاتل على طاعة أمره.
فالدين كله طاعة لله ورسوله، وطاعة الله ورسوله هي الدين كله، فمن يطع الرسول فقد أطاع الله. ودين المسلمين بعد موته طاعة الله ورسوله، وطاعتهم لولي الأمر فيما أُمروا بطاعته فيه هو طاعة لله ورسوله، وأمر ولي الأمر الذي أمره الله أن يأمرهم به وقَسْمُه وحكمه هو طاعة لله ورسوله، فأعمال الأئمة والأمة في حياته ومماته التي يحبها الله ويرضاها كلها طاعة لله ورسوله، ولهذا كان أصل الدين: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
فإذا قيل: هو كان إمامًا، وأُريدَ بذلك إمامة خارجة عن الرسالة، أو إمامة يُشترط فيها ما لا يشترط في الرسالة، أو إمامة تعتبر فيها طاعته بدون طاعة الرسول، فهذا كله باطل. فإن كل ما يطاع به داخل في رسالته، وهو أن كل ما يطاع فيه يطاع بأنه رسول الله، ولو قُدِّر أنه كان إمامًا مجردًا لم يطع حتى تكون طاعته داخلة في طاعة رسول آخر، فالطاعة إنما تجب لله ورسوله ولمن أَمَرت الرسل بطاعتهم.
فإن قيل: أُطيع بإِمامته طاعة داخلة في رسالته. كان هذا عديم التأثير، فإن مجرد رسالته كافية في وجوب طاعته، بخلاف الإمام فإنه إنما يصير إمامًا بأعوان ينفذون أمره، وإلا كان كآحاد أهل العلم والدين، إن كان من أهل العلم والدين.
فإن قيل: إنه صلى الله عليه وسلم لما صار له شوكة بالمدينة، صار له مع الرسالة إمامة القدرة.