فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وهكذا من أحب الصحابة [والتابعين] والصالحين معتقدًا فيهم الباطل، كانت محبته لذلك الباطل باطلة. ومحبة الرافضة لعليّ - رضي الله عنه - من هذا الباب؛ فإنهم يحبون ما لم يوجد ما لم يوجد، وهو الإمام المعصوم المنصوص على إمامته، الذي لا إمام بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا هو، الذي كان يعتقد أن أبا بكر وعمر - رضي الله عنهما - ظالمان معتديان أو كافران، فإذا تبيّن لهم يوم القيامة أن عليًّا لم يكن أفضل من واحد من هؤلاء، وإنما غايته أن يكون قريبًا من أحدهم، وأنه كان مقرًّا بإمامتهم وفضلهم، ولم يكن معصومًا لا هو ولا هم، ولا كان منصوصًا على إمامته، تبين لهم أنهم لم يكونوا يحبون عليًّا، بل هم من أعظم الناس بغضًا لعلي - رضي الله عنه - في الحقيقة، فإنهم يبغضون من اتصف بالصفات التي كانت في عليّ أكمل منها في غيره: من إثبات إمامة الثلاثة وتفضيلهم، فإن عليُّا - رضي الله عنه - كان يفضِّلهم ويقرُّ بإمامتهم. فتبيَّن أنهم مبغضون لعليّ قطعًا.
وبهذا يتبين الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن عليّ - رضي الله عنه - أنه قال: إنه لعهد النبي الأميّ إليَّ أنه «لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق» إن كان هذا محفوظًا ثابتًا عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإن الرافضة لا تحبه على ما هو عليه، بل محبتهم من جنس محبة اليهود لموسى والنصارى لعيسى، بل الرافضة تبغض نعوت عليّ وصفاته، كما تبغض اليهود والنصارى نعوت موسى وعيسى، فإنهم يبغضون من أقر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وكانا مقرين بها - صلى الله عليهم أجمعين -.
وهكذا كل من أحب شيخًا على أنه موصوف بصفات ولم يكن كذلك في نفس الأمر، كمن اعتقد في شيخ أنه يشفع في مريديه يوم القيامة، وأنه يرزقه وينصره ويفرج عنه الكربات ويجيبه في الضرورات، كم اعتقد أن عنده خزائن الله، أو أنه يعلم الغيب، أو أنه مَلَك، وهو ليس كذلك في نفس الأمر، فقد أحب ما لا حقيقة له.
وقول عليّ - رضي الله عنه - في هذا الحديث: لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق، ليس من خصائصه، بل قد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار» وقال: «لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر» وقال: «لا يحب الأنصار إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق» . وفي [الحديث] الصحيح حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا له ولأمه أن يحببهما الله إلى عباده المؤمنين، قال: فلا تجد مؤمنًا إلا يحبني وأمِّي.
وهذا مما يُبين به الفرق بين هذا [الحديث] وبين الحديث الذي روي عن ابن عمر: «ما كنا نعرف المنافقين على عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلا ببغضهم عليًّا» فإن هذا مما يعلم كل عالم أنه كذب، لأن النفاق له علامات كثيرة وأسباب متعددة غير بغض عليّ، فكيف لا يكون على النفاق علامة إلا بغض عليّ؟ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «آية النفاق بغض الأنصار» وقال في الحديث الصحيح: «آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان» .
وقد قال تعالى في القرآن في صفة المنافقين: {وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ} [سورة التوبة: 58] ، {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ} [سورة التوبة: 61] ، {وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللهَ} [سورة التوبة: 75] ، {وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي} [سورة التوبة: 49] ، {فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا} [سورة التوبة: 124] .
وذكر لهم سبحانه وتعالى في سورة براءة وغيرها من العلامات والصفات ما لا يتسع هذا الموضع لبسطه.
بل لو قال: كنا نعرف المنافقين ببغض عليّ لكان متوجهًا، كما أنهم أيضًا يُعرفون ببغض الأنصار، [بل] وبُبغض أبي بكر وعمر، وببغض غير هؤلاء، فإن كل من أبغض ما يُعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم يحبه ويواليه، وأنه كان يحب النبي صلى الله عليه وسلم ويواليه، كان بغضه شعبة من شعب النفاق، والدليل يطَّرد ولا ينعكس. ولهذا كان أعظم الطوائف نفاقًا المبغضين لأبي بكر، لأنه لم يكن في الصحابة أحب إلى النبي صلى الله عليه وسلم منه، ولا كان فيهم أعظم حبَّا للنبي صلى الله عليه وسلم منه، فبغضه من أعظم [آيات] النفاق. ولهذا لا يوجد المنافقون في طائفة أعظم منها في مبغضيه، كالنصيرية والإسماعيلية وغيرهم.
وإن قال قائل: فالرافضة الذين يبغضونه يظنون أنه كان عدوًّا للنبي صلى الله عليه وسلم لما يُذكر لهم من الأخبار التي تقتضي أنه كان يبغض النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته فأبغضوه لذلك.