فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
قيل: إن كان هذا عذرًا يمنع نفاق الذين يبغضونه جهلًا وتأويلًا، فكذلك المبغضون لعليّ الذين اعتقدوا أنه كافر مرتد، أو ظالم فاسق، فأبغضوه لبغضه لدين الإسلام، أو لما أحبه الله وأمر به من العدل، ولاعتقادهم أنه قتل المؤمنين بغير حق، وأراد علوًّا في الأرض وفسادًا، وكان كفرعون ونحوه؛ فإن هؤلاء وإن كانوا جهالًا فليسوا بأجهل ممن اعتقد في عمر أنه فرعون هذه الأمة، فإن لم يكن بغض أولئك لأبي بكر وعمر نفاقًا لجهلهم وتأويلهم، فكذلك بغض هؤلاء لعليّ بطريق الأَوْلى والأحرى، وإن كان بغض عليّ نفاقًا وإن كان المبغض جاهلًا متأولًا فبغض أبي بكر وعمر أَوْلى أن يكون نفاقًا حينئذ، وإن كان المبغض جاهلًا متأولًا.
( المرجع: منهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية ، 4 / 290-301) .
الشبهة (24) : احتجاجهم بحديث:"أنت أخي ووصيي"
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
قال الرافضي: الخامس: ما رواه الجمهور عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأمير المؤمنين: أنت أخي ووصيي وخليفتي من بعدي وقاضي دَيْني، وهو نص في الباب».
والجواب من وجوه: أحدها: المطالبة بصحة هذا الحديث، فإن هذا الحديث ليس في شيء من الكتب التي تقوم الحجة بمجرد إسناده إليها، ولا صححه إمام من أئمة الحديث.
وقوله: «رواه الجمهور» : إن أراد بذلك أن علماء الحديث رووه في الكتب التي يُحتج بما فيها، مثل كتاب البخاري ومسلم ونحوهما. وقالوا: إنه صحيح - فهذا كذب عليهم.
وإن أراد بذلك أن هذا يرويه مثل أبي نُعيم في «الفضائل» والمغازلي وخطيب خوارزم ونحوهم، أو يُروى في كتب الفضائل، فمجرد هذا ليس بحجة باتفاق أهل العلم في مسألة فروع، فكيف في مسألة الإمامة، التي قد أقمتم عليها القيامة؟!
الثاني: أن هذا الحديث كذب موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث. وقد تقدّم كلام ابن حزم أن سائر هذه الأحاديث موضوعة، يعلم ذلك من له أدنى علم بالأخبار ونقلتها. وقد صدق في ذلك؛ فإن من له أدنى معرفة بصحيح الحديث وضعيفه، ليعلم أن هذا الحديث ومثله ضعيف، بل كذب موضوع. ولهذا لم يخرجه أحد من أهل الحديث في الكتب التي يحتج بما فيها، وإنما يرويه في الكتب التي يُجمع فيها بين الغثِّ والسمين، التي يعلم كل عالم أن فيها ما هو كذب، مثل كثير من كتب التفسير: تفسير الثعلبي والواحدي ونحوهما، والكتب التي صنّفها في الفضائل من يجمع الغثَّ والسمين، لاسيما خطيب خوارزم، فإنه من أروى الناس للمكذوبات، وليس هو من أهل العلم بالحديث، ولا المغازلي.
قال أبو الفرج بن الجوزي في كتاب «الموضوعات» لما روى هذا الحديث من طريق أبي حاتم البستي، حدثنا بن سهل بن أيوب حدثنا عمّار بن رجاء، حدثنا عبيد الله بن موسى، حدثنا مطر بن ميمون الإسكاف، عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا أخي ووزيري وخليفتي من أهلي، وخير من أترك بعدي يقضي دَيني، وينجز موعدي: عليّ بن أبي طالب» قال: هذا حديث موضوع. قال ابن حبّان: مطر بن ميمون يروي الموضوعات عن الإثبات، لا تحل الرواية عنه».
رواه أيضًا من طريق أحمد بن عدي بنحو هذا اللفظ، ومداره على عبيد الله بن موسى، عن مطر بن ميمون. وكان عبيد الله بن موسى في نفسه صدوقًا روى عنه البخاري، لكنه معروف بالتشيع، فكان لتشيعه يروي عن غير الثقات ما يوافق هواه، كما روى عن مطر بن ميمون هذا، وهو كذب وقد يكون علم أنه كَذَب ذلك، وقد يكون لهواه لم يبحث عن كذبه، ولو بحث عنه لتبين له أنه كَذَب هذا، مع أنه ليس في اللفظ الذي رواه هؤلاء المحدِّثون: «وخليفتي من بعدي» وإنما في تلك الطريق: «وخليفتي في أهلي» وهذا استخلاف خاص.
وأما اللفظ الآخر الذي رواه ابن عدي فإنه قال: «حدثنا ابن أبي سفيان، حدثنا عدي بن سهل، حدثنا عبيد الله بن موسى، حدثنا مطر، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"عليّ أخي وصاحبي وابن عمي وخير من أترك من بعدي، يقضي دَيْني وينجز موعدي» ."
ولا ريب أن مطرًا هذا كذّاب، لم يرو عنه أحد من علماء الكوفة، مع روايته عن أنس، فلم يرو عنه يحيى بن سعيد القطَّان، ولا وكيع، ولا معاوية، ولا أبو نُعيم، ولا يحيى بن آدم، ولا أمثالهم، مع كثرة من الكوفة من الشيعة، ومع أن كثيرًا من عوامّها يفضّل عليًّا على عثمان، روى حديثه أهل الكتب الستة، حتى الترمذي وابن ماجه قد يرويان عن ضعفاء، ولم يرووا عنه، وإنما روى عنه عبيد الله بن موسى، لأنه كان صاحب هوى متشيعًا، فكان لأجل هواه يروي عن هذا ونحوه، وإن كانوا كذَّابين.
ولهذا لم يكتب أحمد عن عبيد الله بن موسى، بخلاف عبد الرزاق، ذكر أحمد أن عبيد الله كان يظهر ما عنده بخلاف عبد الرزاق.