فهرس الكتاب

الصفحة 3611 من 4557

وقد سبق في رسالة الصحبة بيان التلازم بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الكرام، وأن من مهام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم تزكية الذين آمنوا به، وهم الأميون الذين أكرمهم الله بالإيمان بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وصُحبته، قال الله تعالى: (( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) ) [الجمعة:2] .

فهؤلاء هم الذين قام رسول الرحمة والهدى بتربيتهم (تزكيتهم) وتعليمهم.

وقد سبق الحديث -أيضًا- عن التلازم بين الرسول القائد صلى الله عليه وآله وسلم وبين جنده.

والرسول القدوة صلى الله عليه وآله وسلم والذين أخذوا عنه.

والرسول صلى الله عليه وآله وسلم الجار والذين جاوروه وعاشوا معه.

والرسول صلى الله عليه وآله وسلم الإمام والذين كانوا تحت سلطانه.

سبق الحديث عن التلازم في الرسالة الأولى وإن شئت فقل في الفصل الأول ( [2] ) .

أيها القارئ الكريم: لا شك ولا ريب لديك بأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قام خير قيام بما أمره الله سبحانه وتعالى من إبلاغ الرسالة، وتزكية أصحابه وتعليمهم وغير ذلك، ومن ثمار هذه التزكية تلك الخصال الحميدة التي أصبحت سجية للصحابة رضي الله عنهم.

ويكفي أنهم خير أمة أخرجت للناس، قال الله تعالى: (( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ) ) [آل عمران:110] .

فتأمل قوله سبحانه: (( أُخْرِجَتْ ) ) [آل عمران:110] مَن الذي أخرجهم وجعل لهم هذه المنزلة؟ وهذا مثل قوله تعالى: (( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ) ) [البقرة:143] .

والآيات التي أنزلها الله تعالى في وصفهم والثناء عليهم وذِكْرهم كثيرة جدًا، وقد سبق الحديث عن بعض مواقفهم وما نزل فيها من آيات فلا داعي للتكرار.

( [1] ) بوب المجلسي في بحار الأنوار بابًا سماه:"باب أن الأئمة أعلم من الأنبياء" (2 /82) . وانظر: أصول الكافي (1 /227) .

( [2] ) الرسالة الأولى بعنوان: (صحبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)

من صفات أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

أيها القارئ الكريم: تذكر أن هؤلاء جيلٌ فريد، فقد حصلت لهم مزايا لا يمكن أن تحصل لغيرهم، فقد فازوا بشرف الصُحبة، صحبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهو الذي ربّاهم وعلّمهم وأدّبهم، وبهم جاهد الكفار، وهم الذين نصروه.

ونقف مع صفة واحدة من صفاتهم ينبغي أن تدرس وتشرح ويسود ذكرها وتصبح معلومة لدى المسلمين على اختلاف فرقهم وطوائفهم!

أتدري ما هي تلك الصفة؟ إنها صفة الرحمة.

والسؤال: لماذا الحديث عن تلك الصفة؟

هل فكرت معي أيها المطالع الكريم عن سر هذه الصفة العزيزة؟ إنك ستجد -ولا شك- أسبابًا كثيرة للحديث عنها، ولكني أذكر لك هاهنا عدة أسباب بُغية الاختصار لهذه الرسالة.

أما السبب الأول: فهو لذات الصفة وما فيها من معانٍ، وما ورد فيها من آيات وأحاديث وآثار عن سيد الأبرار صلوات الله عليه وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار، فربنا سبحانه وتعالى هو الرحمن الرحيم.

وقد قال سبحانه في وصف الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم: (( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ) ) [التوبة:128] ، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من لا يَرحم لا يُرحم) متفق عليه.

والحديث عن ذات الصفة يطول، والنصوص الواردة فيها كثيرة لا تخفى عليك.

السبب الثاني: أن الله سبحانه وتعالى اختار هذه الصفة في الثناء على أصحاب رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وفي اختيار هذه الصفة دون غيرها حِكمٌ وفوائد بالغة الأهمية، ومن الإعجاز العلمي وصفهم بتلك الصفة.

ومن تأمل فيها ظهر الإعجاز، وذلك أن النص جاء في تخصيص ذكر صفة الرحمة الموجودة فيما بينهم.

لماذا ذكر الله تلك الصفة دون غيرها؟؟

لأن فيها الرد على الطعون التي لم تكن قد ظهرت وسُطرت في الكتب، وأصبحت فيما بعد أحاديث القصاصين ومَن جاء بعدهم. والله أعلم.

قال الله تعالى: (( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ) ) [الفتح:29] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت