فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فهذا فهم زين العابدين علي بن الحسين عليهما السلام وهو من التابعين، وقد امتلأت الكتب في ثناء بعضهم على بعض: كتب أهل السنة وكذلك كتب الشيعة، والدارس لكتاب نهج البلاغة يجد خطبًا كثيرة وإشارات صريحة كلها في الثناء على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وقد اخترت واحدة منها لما فيها من اقتباس من القرآن الكريم.
قال الإمام علي عليه السلام: (لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم فما أرى أحدًا يشبههم منكم، لقد كانوا يصبحون شعثًا غبرًا وقد باتوا سجدًا وقيامًا، يراوحون بين جباههم وخدودهم، ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم، كأن بين أعينهم ركب المعزى من طول سجودهم، إذا ذكر الله هملت أعينهم حتى تبل جيوبهم، ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف خوفًا من العقاب، ورجاء للثواب) اهـ.
وكلامه عليه السلام في الثناء عليهم يطول، ولحفيده الإمام زين العابدين رسالة ضمّنها الدعاء لهم والثناء عليهم، وتجد لكل إمام من الأئمة عليهم السلام أقوالًا كثيرة في الثناء على الصحابة رضي الله عنهم، بل قد جاءت روايات كثيرة عنهم فيها التصريح بالثناء على الخلفاء الراشدين وأمهات المؤمنين وغيرهم، ولو جمعت لجاءت في مجلدات.
أيها القارئ الكريم: لقد أكثرت عليك الكلام مع حرصي على الاختصار فأرجو المعذرة! وأسأل الله الكريم أن ينفعني وإياك به، ولكن لا بد من بيان الحقيقة متكاملة، وآمل أن تصبر معي قليلًا؛ فإن الرسالة أوشكت على الانتهاء، وبقيت وقفة مختصرة لبيان منزلة آل البيت لدى أهل السنة والجماعة؛ لكي تعلم وفقك الله تعالى بأن أهل السنة حريصون كل الحرص على التمسك والعمل بالقرآن الكريم (الثقل الأكبر) وهم كذلك متمسكون بآل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (العترة) وهذه المسألة تحتاج إلى دراسة مستقلة.
ففيما سبق تأكيد للرحمة بين أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم كلهم، وفيهم أقاربه وخواصه الذين دخلوا معه في الكساء، وفي الوقفة الآتية إيضاح لبعض حقوقهم كما قررها علماء السنة رحمهم الله تعالى.
موقف أهل السنة من آل البيت عليهم السلام
مطلب في التعريف اللغوي والاصطلاحي: آل البيت أهل الرجل، والتأهل: التزوج، قاله الخليل ( [1] ) . وأهل البيت: سكانه. وأهل الإسلام من يدين به ( [2] ) .
أما الآل: فجاء في معجم مقاييس اللغة قوله: آل الرجل: أهل بيته ( [3] ) ..
وقال ابن منظور:"وآل الرجل أهله، وآل الله وآل رسوله: أولياؤه، أصلها (أهل) ثم أبدلت الهاء همزة، فصار في التقدير (أأل) فلما توالت الهمزتان أبدلت الثانية ألفًا" ( [4] ) وهو لا يضاف إلاّ إلى ما فيه شرف غالبًا، فلا يقال (آل الحائك) خلافًا لأهل، فيقال: أهل الحائك. وبيت الرجل داره ( [5] ) ، وإذا قيل: البيت انصرف إلى بيت الله الكعبة؛ لأن القلوب -قلوب المؤمنين- تهوي إليه، والنفوس تسكن فيه، وهو القبلة، وإذا قيل: (أهل البيت) في الجاهلية انصرف إلى سكانه خاصة، وبعد الإسلام إذا قيل: (أهل البيت) فالمراد آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( [6] ) .
ما المراد بآل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم؟
اختلف العلماء في تحديد آل بيت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على أقوال أشهرها:
1-هم الذين حرمت عليهم الصدقة. قاله الجمهور.
2-هم ذرية النبي صلى الله عليه وآله وسلم وزوجاته، واختاره ابن العربي في أحكام القرآن وانتصر له، ومن القائلين بهذا القول من أخرج زوجاته.
3-إن آل النبي صلى الله عليه وآله وسلم هم أتباعه إلى يوم القيامة، وانتصر له الإمام النووي في شرحه على مسلم، وكذلك صاحب الإنصاف، ومن العلماء من حصره في الأتقياء من أتباع المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم. والراجح القول الأول.
سؤال: من هم الذين حرموا الصدقة؟؟
هم بنو هاشم وبنو المطلب، وهذا الراجح، وبه قال الجمهور، ومن العلماء من قصره على بني هاشم فقط دون بني المطلب.
والمراد بآل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عند الشيعة الإمامية الإثني عشرية هم الأئمة الاثني عشر فقط دون غيرهم، ولهم تفصيلات وتفريعات ليس هنا محل بسطها، فإن الخلاف بين فِرَقهم كبير في هذه المسألة ولأجلها حصل التفرق. (راجع كتاب: فرق الشيعة للنوبختي) .
عقيدة أهل السنة في آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم:
لا تكاد تجد كتابًا من كتب العقيدة التي فيها شمول لمسائل الاعتقاد إلا وتجد فيها النص على هذه المسألة، وذلك لما لها من أهمية، وقد كتب فيها العلماء رسائل مستقلة لأهميتها.