فهرس الكتاب

الصفحة 3624 من 4557

أيها القارئ الكريم: لا تعجل! وقف مع الآيات وتدبر في معانيها: (( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) ) [الجمعة:2] وتأمل في الآية بعدها: (( ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ) ) [الجمعة:4] فصحبة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم نعمة كبرى وفضل من الله تعالى، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وبها فاز الصحابة رضي الله عنهم، وسبقوا غيرهم.

إنه الترابط بين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الكرام الذين عاش بينهم ومعهم، وفي مقدمتهم أهل بيته الأطهار، وزوجاته أمهات المؤمنين رضي الله عنهن. يفرح الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالجلوس معهم، ويأنس بهم، فهم جنده ووزراؤه، وطلابه الذين أخذوا العلم عنه، وهم من بينهم عاش وعندهم مات صلى الله عليه وآله وسلم.

إن الذين يحبون الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وبه يقتدون، يعتقدون بأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أدى الأمانة وبلغ الرسالة وقام بما أمره الله به، ومن ذلك أنه علَّم أصحابه العلم وزكاهم، فهم الذين أخذوا القرآن والسنة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مباشرة، وعنهم أخذ التابعون؛ فالحكم بعدالتهم من الدين، ومن الشهادة بأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قام بما أمره الله به، والطعن فيهم يعني الطعن بإمامهم وقائدهم ومعلمهم سيد المرسلين.

فكِّر وتأمَّل!! إن القضية فيها تلازم لا محالة؛ لذا فإن تخطئة الناقد لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتوجيه اللوم إليه أو إلى الناقل هو عين الصواب باتفاق العقلاء وإليك شرح ذلك باختصار.

( [1] ) القول المختار في الصحابي: أنه من آمن بالنبي وصَحِبَه ولو فترة من الزمن ومات على ذلك، ولطول الصحبة أثر في المنزلة.

( [2] ) البخاري: (6/298) ، ومسلم برقم: (2526) باب خيار الناس.

( [3] ) سيأتي بيان المراد بآل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وفضلهم في الرسالة القادمة - إن شاء الله -.

تأملات

لا تعجل أيها القارئ الكريم وتأمل معي: إذا خلوت بنفسك أو مع من تثق بعقله فتفكر وتأمل؛ فإن هذا من الدين، قال الله تعالى: (( قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ ) ) [سبأ:46] .

أرأيتم لو أن رئيسًا أو رمزًا لبلد أو لقومية من القوميات جاء من أتباعه الذين ينسبون أنفسهم إليه من يزعم أو يقرر أن هذا الزعيم أحاط به ناسٌ من الانتهازيين، لا بل من الخونة، ممن يحارب فكره، وهؤلاء الخونة هم أقرب الناس إليه وهم خاصته، وأهل مشورته وبيته، وبينه وبينهم نسبٌ وصهر ورحم، بل إنهم هم الذين حملوا فكره ونشروه.

تأمل وفكر ولا تعجل في الجواب: ماذا تقول لو أن ذلك الإمام والرمز مدح أصحابه وأثنى عليهم، وذم من يقدح فيهم أو يقلل من شأنهم؟؟

هل يوجد حاكم له سلطان يُسبّ مستشاروه ووزراؤه ويوصفون بأنهم خونة وأنهم... وأنهم... وهو راض بذلك؟؟

تأمل وفكر!!

ماذا تقول في عالم بذل كل جهده وعلمه لتعليم طلابه الذين صحبوه وعاشوا معه في السراء والضراء، وتركوا الأهل والوطن والمال؛ لأجل صحبته وملازمته، والأخذ عنه، والتأسي به، ثم جاء الجيلُ الذي بعدهم وطعن في هؤلاء الطلاب ووصفهم بالجهل وكتم العلم؟؟

ماذا يُقال عن هذا المعلم؟! وبم يوصف مَن هؤلاء طلابه الذين بذل جهده معهم؟؟

هل العيب فيه؟

أو العيب في الطلاب الذين تركوا أولادهم وأموالهم وديارهم؛ لأجل صحبة المعلم والأخذ عنه والتأسي به، الذين محبته عندهم فوق محبة الأولاد والأهل والمال والوطن ودليل ذلك فعلهم في هجرتهم إليه؟

أو العيب في الناقد الذي طعن في هؤلاء الطلاب ولم يَدر في خلده أن الطعن قد يشمل المعلم، أو يرجع إليه هو، أي: إلى الطاعن الناقد؟

تأمل وفكر في حال المعلم والطلاب والناقد!!

أخي القارئ الكريم:

تأمل في حال إمام أهل التربية والتوجيه -وهو القدوة بين الأنام- وصحبه وأتباعه ومؤيديه، لقد عاشوا معه السراء والضراء، الحرب والسلم، الرخاء والشدة، عصفت المحن بهم معه، وبلغت غايتها، حتى بلغت القلوب الحناجر، وهم معه لم يتخلوا عنه، ولم يتركوه وكانوا به يقتدون.

لقد أخذوا أقواله من فمه مباشرة، وعاشوا الدقائق والثواني بكنفه، لم يفرطوا في مجالسه وأنفاسه، بل يتسابقون إلى شَعَره وبصاقه. لقد تولى المربي بنفسه توجيههم وتربيتهم، تارة يخاطب الجميع، وأحيانًا يخص بعضهم بالموعظة، فتجده ينبه المخطئ إذا أخطأ، ويشكر المحسن إذا أحسن، بذل طاقته، واستفرغ جهده ووقته في تربيتهم، فلم يترك شيئًا فيه مصلحة ونفع لهم إلا فعله وحثهم عليه، ولا ترك شيئا فيه مضرة لهم إلا حذرهم منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت