فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
أيها القارئ الكريم: تأمل وأنت تتلو سورة الفتح وتدبّر في معانيها، قال الله عز وجل: (( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ) ) [الفتح:1] (( لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ) ) [الفتح:2] (( وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا ) ) [الفتح:3] يذكر الله سبحانه فضله على الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم، ثم يبين المولى عز وجل فضله على الصحابة الكرام وما حصل لهم من السكينة التي أثمرتْ زيادةَ الإيمان.
ثم يذكر المولى سبحانه وتعالى بيعة الرضوان، قال الله تعالى: (( لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ) ) [الفتح:18] .
إنها حقيقة يعجز الإنسان عن وصفها مهما أوتي من بلاغة وفصاحة.
رب العالمين سبحانه وتعالى رحم هذه الفئة المؤمنة وأوحى إلى سيد البشر صلى الله عليه وآله وسلم بما حصل منها وذكر أدق الأوصاف وأخفى الأسرار: (( مَا فِي قُلُوبِهِمْ ) ) [الفتح:18] .
إن الصحابة قد بلغوا الغاية في الصدق والإخلاص وطلب رضوان المولى؛ فنالوا الفوز المبين رضي الله عنهم، كل فرد منهم بايع تحت الشجرة -مكان البيعة- يعلم بأنه داخل في الخطاب، فهو يمشي على الأرض وهو يعلم بأنه نال الشرف والسعادة، والغنائم في الدنيا، والفوز المبين في الآخرة.
تأمل في الآيات! وقل معي: كيف يسوغ لعاقل أن يتكلم فيهم؟!
أو يقول: إن الله عز وجل بدا له السخط بعد الرضا؟ يا سبحان الله!
ولا أطيل في النقاش، بل أكتفي بالرد على هذه التأويلات بآية من كتاب الله، فتأمل في الآية وتدبر في معانيها، وهي في غاية الوضوح والبيان، وفيها شفاء لما في الصدور، والطاعنون في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد حاروا فيها، وعجز خيالهم -نعم حتى الخيال- عن الرد على الآية أو وضع تأويل لها، وارتد خاسئًا وهو حسير، فلم أقف لهم على قول فيها.
ولكن المراء والجدال، واتباع الهوى منع الناس من إتباع الحق.
وإليك الآية، قال الله تعالى: (( وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) ) [التوبة:100] فتأمل فيها، وفي العموم في قوله سبحانه: (( وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ ) ) [التوبة:100] منهم؟
جاء البيان بقوله سبحانه: (( مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ ) ) [التوبة:100] فالذين هاجروا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم والذين نصروا هم السابقون بنص القرآن، فلا يمكن الرد أو التأويل. فكن من الصنف الثالث تفز يا عبد الله: (( وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ ) ) [التوبة:100] فإن الصحابة أئمة يقتدى بهم رضي الله عنهم ( [1] ) .
وتأمل في التأكيدات والمبشرات: (( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ) ) [التوبة:100] وقوله:
(( وَأَعَدَّ ) ) [التوبة:100] بصيغة الماضي، والتمليك (( لَهُمْ ) ) [التوبة:100] والخلود والتأبيد (( خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ) ) [التوبة:100] .
وتأمل في ذكر الأعراب والمنافقين في سياق الآيات.
فلا يمكن لمن يقرأ الآية وهو يؤمن بأن القرآن كلام الله ويفهم لغة العرب - إلا التسليم بفضل الصحابة.
أيها القارئ الكريم: اسمح لي بالإطالة اليسيرة عند قوله تعالى: (( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ) ) [الفتح:29] نعم ورد ذكر الصحابة في التوراة والإنجيل وبيان خصالهم الحميدة، وصفاتهم التي تميزوا بها.