فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
محمد صلى الله عليه وآله وسلم إمام المرسلين، وأصحابه هم خير الأصحاب (( وَالَّذِينَ مَعَهُ ) ) [الفتح:29] حقيقة الموالاة، والإخاء، والتآلف معه في السراء والضراء (( أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ ) ) [الفتح:29] من الآباء والأهل والعشيرة وذلك لله. وهم (( رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ) ) [الفتح:29] والدارس للسيرة يُدرك ما وصلوا إليه من محبة وإخاء في الدين، والتطبيق العملي للرحمة بينهم لا حصر له من: إيثار على النفس: (( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ) ) [الحشر:9] وموالاة صادقة: (( بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ) ) [الأنفال:72] وقال تعالى: (( بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ) ) [التوبة:67] بهذا وصفهم الله سبحانه وتعالى، والواجب الأخذ بما ورد في القرآن في وصفهم: (( رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ) )فإن الموالاة بينهم والتراحم هو الأصل؛ لأن الله سبحانه وصفهم به فعلينا الأخذ به وترك ما ذكره أصحاب الأساطير التاريخية، وهذه مسألة في غاية الأهمية، فنحن عندنا آيات محكمات ويقابلها روايات الله أعلم بسندها، ومتنها مضاد للقرآن، فتأمل في الآيات وفيما تعتقد: هل هو مطابق للقرآن أم أنك متأثر بالأساطير التاريخية؟
والصحابة هم أصحاب العبادة وهي سمتهم، فهم كما قال الله تعالى: (( تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا ) )وهذا الوصف فيه تكريم لهم، حيث ذكر أهم حالات العبادة: الركوع والسجود، والتعبير يشعرك كأنما هذه هيئتهم الدائمة، وهي كذلك؛ لأن محبة الركوع والسجود مستقرة في قلوبهم، فقلوبهم معلقة بالمساجد، فكأنهم يقضون زمانهم كله ركعًا سجدا، والدليل على ذلك قوله سبحانه في الثناء على قلوبهم وصدق نياتهم، حيث قال: (( يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ) )هذه مشاعرهم ودوافعهم ورغباتهم، فكل ما يشغل بالهم هو طلب فضل الله ورضوانه.
فليس للدنيا في قلوبهم محل، وهذه رغبة ظهرت آثارها على محياهم، فلا كبر ولا خيلاء، ولا غرور، بل التواضع والخضوع، والخشوع لله سبحانه وتعالى، وإشراق نور الإيمان على سيماهم، وليس المراد ما قد يتبادر إلى الذهن أن المراد العلامة في الجبهة التي تكون من أثر السجود، وليس ثمة مانع من دخولها ( [2] ) ، فقد ذكرها بعض السلف.
تأمل: هذه صفاتهم عند اليهود في التوراة. ومقابل هذه الصفات ورد في الإنجيل صفاتهم عند النصارى، فهم أقوياء أشداء، مثل الزرع ينبت ضعيفًا ثم ينمو ويشتد.
من المراد بالزرع؟ ومن هو الزارع؟ ومن هم الذين يسوءهم حال أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفعلهم؟ (( لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ ) ).
وقد أكد الله المغفرة لهم وأن لهم أجرًا عظيمًا بقوله سبحانه: (( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ) )و (مِن) في قوله: (( منهم ) )لبيان الجنس كقوله: (( فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ) ) [الحج:30] فتأمل ذلك.
تأمل وفكر: انظر إلى هذه الصور الفريدة في بيان واقع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الكرام، فهذا مثلهم في التوراة والإنجيل، وقد جاء ليقرر أنهم رحماء بينهم.
وتقرير الموالاة بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الكرام حقيقة جاء توكيدها في القرآن في آيات كثيرة كما سبق بيانه، وهي من أعظم نعم الله على الصحابة، قال تعالى: (( وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ ) ) [الحجرات:7] وهذه السورة فيها أدلة كثيرة على فضل الصحابة وستأتي إشارة إلى ذلك.
( [1] ) ودليل اتباعهم بإحسان ما ورد في قوله تعالى: (وَالّذِينَ جَاءُو مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلاخْوَنِنَا الّذِينَ سبَقُونَا بِالايماَنِ...) الآية. فعليك بالدعاء لهم. والخلاف في حجية قول الصحابي وفعله من المسائل الأصولية المشهورة وليس هنا محل بسطها.
( [2] ) انظر: تفسير ابن جرير وغيره للآية.
استقبال الوفود:
سورة الحجرات فيها آيات في غاية الوضوح على فضل الصحابة، وقد اشتملت السورة على كليات في الاعتقاد والشريعة، وحقائق الوجود الإنساني، وفيها بيان لمعالم المجتمع المسلم وتقرير الأخوة الإيمانية ومحاربة كل ما يضادها ويضعف كيانها.
ونقف وقفتين مختصرتين مع الآيات التي تخص بحثنا:
أولًا: الآداب التي ينبغي التأدب بها مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبيان ما عليه الأعراب.
تبدأ السورة بمناداة المؤمنين بوصفهم لأجل التسليم لأمر الله ورسوله وعدم التقدم بين يديه، بل عليهم الرضا والتسليم وعدم التعجل في الاقتراحات على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وعليهم ألا يقولوا في أمرٍ قبل بيان الله سبحانه وتعالى، ومن باب أولى ألا يفعلوا.