فهرس الكتاب

الصفحة 3683 من 4557

لا يشك مسلم في أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هم أمناء هذه الأمة، وحملة الشريعة ونقلتها إلى الأمناء من بعدهم، لا يحتاج واحد منهم إلى توثيق أو تعديل، وكيف وقد أثنى عليهم ربهم وإلههم جل وعلا ثناءً يقطع لهم بالعدالة والوثاقة في آيات كثيرة من كتابه الكريم؛ مثل قوله تعالى: (( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ) ) [آل عمران:110] ، وقوله جل وعلا: (( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ) ) [البقرة:143] والوسط: العدل. والصحابة أول من يدخل في شمول الخطاب. أضف إلى ذلك الكثير من الآيات التي أثنى الله تعالى من خلالها على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبين فضلهم وأخبر برضاه عنهم، وكذلك إثبات الخيرية لهم من رسولهم صلى الله عليه وسلم، ونهيه عن سبهم -ومعلوم أن إنكار عدالتهم سب لهم- ونشره لفضائلهم ومناقبهم، كل ذلك مما يستلزم إثبات العدالة لهم دون توقف.

قال محمد بن أحمد الحنبلي - الشهير بابن النجار: (إن من أثنى الله سبحانه وتعالى عليه بهذا الثناء كيف لا يكون عدلًا؟ فإذا كان التعديل يثبت بقول اثنين من الناس فكيف لا تثبت العدالة بهذا الثناء العظيم من الله سبحانه وتعالى ومن رسوله صلى الله عليه وسلم؟!) ( [1] ) .

وقال الخطيب البغدادي رحمه الله -بعدما ذكر جملة من الأحاديث في فضائل الصحابة رضي الله عنهم-: (كلها مطابقة لما ورد في نص القرآن وجميع ذلك يقتضي طهارة الصحابة والقطع على تعديلهم ونزاهتهم، فلا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله تعالى لهم المطلع على بواطنهم إلى تعديل أحد من الخلق له... على أنه لو لم يرد من الله عز وجل ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه لأوجبت الحال التي كانوا عليها -من الهجرة والجهاد والنصرة، وبذل المهج والأموال، وقتل الآباء والأولاد، والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان واليقين- القطع على عدالتهم والاعتقاد لنزاهتهم وأنهم أفضل من جميع المعدلين والمزكين الذين يجيئون من بعدهم أبد الآبدين، وهذا مذهب كافة العلماء) ( [2] ) .

فالحكم بتعديل الصحابة رضي الله عنهم مبني على تعديل الله تعالى، وتعديل رسوله صلى الله عليه وسلم لهم، ولسنا نحتاج بعد تعديل الله تعالى وتعديل رسوله صلى الله عليه وسلم لهم إلى تعديل أحد أيًا كان.

ولكن الشيعة الإثني عشرية رغم هذا البيان الواضح من الله تعالى ومن رسوله صلى الله عليه وسلم أنكروا عدالة الصحابة جملةً وتفصيلًا، وزعموا أن حكم الصحابة من حيث العدالة كحكم غيرهم ليس لهم مزية على غيرهم؛ فهم -على حد زعمهم- قوم من الناس لهم ما للناس وعليهم ما على الناس.

قال المجلسي -شيخ الدولة الصفوية ومرجع الشيعة المعاصرين- في معرض حديثه عن عدالة الصحابة بعد أن ذكر قول أهل السنة فيها: (وذهبت الإمامية إلى أنهم -أي: الصحابة- كسائر الناس من أن فيهم العادل، وفيهم المنافق والفاسق والضال، بل كان أكثرهم كذلك) ( [3] ) . أي: كان أكثر الصحابة منافقًا وفاسقًا وضالًا -على حد قوله-.

وقال الشيرازي من الشيعة: (حكم الصحابة عندنا في العدالة حكم غيرهم، ولا يتحتم الحكم بالإيمان والعدالة بمجرد الصحبة، ولا يحصل بها النجاة من عقاب النار وغضب الجبار إلا أن يكون مع يقين الإيمان وخلوص الجنان، فمن علمنا عدالته وإيمانه وحفظه وصية رسول الله في أهل بيته وأنه مات على ذلك كسلمان وأبي ذر وعمار: واليناه وتقربنا إلى الله بحبه، ومن علمنا أنه انقلب على عقبه وأظهر العداوة لأهل البيت عليهم السلام عاديناه لله تعالى، وتبرأنا إلى الله منه) ( [4] ) .

وقال التستري الشيعي: (الصحابي كغيره لا يثبت إيمانه إلا بحجة) ( [5] ) .

وقال في موضع آخر: (ليس كل صحابي عدلًا مقبولًا) ( [6] ) .

وقد تكلم الكاشاني -من مفسري الشيعة - في مقدمة كتابه عن أخذ الناس من تفاسير الصحابة لآيات القرآن فقال: (إن هؤلاء الناس لم يكن لهم معرفة حقيقة بأحوالهم -يعني: بأحوال الصحابة- لما تقرر عنهم أن الصحابة كلهم عدول، ولم يكن لأحد منهم عن الحق عدول، ولم يعلموا أن أكثرهم كانوا يبطنون النفاق، ويجترئون على الله، ويفترون على رسول الله في عزة وشقاق) ( [7] ) .

وبين الزنجاني -من الشيعة المعاصرين-موقف الشيعة من عدالة الصحابة فقال: (قول الشيعة في الصحابة أنهم كغيرهم من الرجال فيهم العدول من الرجال وفيهم الفساق...) ( [8] ) .

ونقل المامقاني -من علماء الرجال عند الشيعة- إجماع الإمامية على ذلك فقال: (قد اتفق أصحابنا الإمامية على أن صحبة النبي بنفسها وبمجردها لا تستلزم عدالة المتصف بها ولا حسن حاله، وأن حال الصحابي حال من لم يدرك الصحبة في توقف قبول خبره على ثبوت عدالته، أو وثاقته أو حسن حاله ومدحه المعتد به مع إيمانه) ( [9] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت