فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
قال الحافظ ابن حجر: (لقب بالصديق لسبقه إلى تصديق النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: كان ابتداء تسميته بذلك صبيحة الإسراء) ( [27] ) .
ويشهد لقول الحافظ ابن حجر ما رواه الإمام البخاري بسنده عن أبي الدرداء رضي الله عنه، وفيه يخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إن الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدق} ( [28] ) ففي هذا الحديث الشريف إشارة إلى أن الصديق رضي الله عنه سبق الصحابة جميعًا إلى تصديق النبي صلى الله عليه وسلم.
وكذلك ما أخرجه الحاكم في مستدركه -وقال: صحيح الإسناد- من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: {لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى، أصبح يتحدث الناس بذلك، فارتد ناس ممن كانوا آمنوا به وصدقوه، وسعوا بذلك إلى أبي بكر فقالوا: هل لك إلى صاحبك يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس!! قال: أو قال ذلك؟ قالوا: نعم. قال: لئن كان قال ذلك لقد صدق. قالوا: وتصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟ قال: نعم. إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة. فلذلك سمي أبو بكر بالصديق} ( [29] ) .
والرسول صلى الله عليه وسلم قد لقب أبا بكر بالصديق في مواضع كثيرة، وذكر أن معنى الصديق الذي يصدق ويصدق ولا يزال يصدق ويتحرى الصدق؛ فقد أخرج الشيخان -واللفظ لمسلم - من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: {عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا} ( [30] ) .
وأبو بكر الصديق رضي الله عنه ليست فضيلته في مجرد تحري الصدق؛ بل لأنه علم ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم جملةً وتفصيلًا وصدق ذلك تصديقًاة كاملًا.
وما زعمه الشيعة من أن الصديق رضي الله عنه إنما لقب بذلك؛ لأنه أضمر -وهو في الغار- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ساحر باطل لأدلة كثيرة منها:
أ) إن تعريف الصديق لغة: الدائم التصديق الذي يصدق قوله بالعمل ويوافق باطنه ظاهره، والذي يكثر صدقه ويغلب عليه، فهو للمبالغة في الصدق ( [31] ) .
وقد تقدم تعريفه الشرعي في حديث ابن مسعود المرفوع وهو الذي يصدق ويصدق ويتحرى الصدق.
والشيعة قد زعموا أن أبا بكر أضمر في نفسه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ساحر، واستدلوا بما زعموه على عدم صدق إيمانه، وعلى مخالفة باطنه لظاهره. والرسول صلى الله عليه وسلم قد اطلع على خبايا نفسه -بزعمهم- فكافأه على ذلك بمنحه هذا اللقب العظيم الذي لا يمنح إلا لمن أكثر من الصدق وعرف به.
فكيف جرى هذا والكاذب لا يكون صديقًا كما رووا في كتبهم، فقد روى صاحب كتاب (الأشعثيات) بسنده إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، يرفعه: [[الكذاب لا يكون صديقًا ولا شهيدًا] ] ( [32] ) .
ب) إن الهجرة إلى الحبشة كانت قبل هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ببضع سنين كما ذكر ذلك المؤرخون ( [33] ) . فكيف رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم سفينة جعفر بن أبي طالب تعوم في البحر وأراها أبا بكر، بالرغم من الفاصل الزمني الكبير بين الواقعتين، إذ الهجرة إلى الحبشة حدثت قبل هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعدة سنوات -كما أسلفنا-.
ج) إن في سبب تلقيب أبي بكر بالصديق في الروايات الصحيحة المستفيضة عند أهل السنة ما يدمغ هذا الاحتجاج الكاذب ويبطله. وقد تقدم بعض هذه الروايات الصحيحة.
وبهذا الرد الموجز يتبين أن الصديق رضي الله عنه إنما حاز هذا اللقب الشريف؛ لأنه صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل ما أخبر تصديقًا كاملًا في العلم والقصد والقول والعمل.
وهذان المطعنان اللذان ذكرتهما قليل من كثير من المطاعن التي وجهها الشيعة إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وهما غيض من فيض مما في كتبهم من المفتريات الموجهة إلى خير الناس بعد الأنبياء والمرسلين.
( [1] ) صحيح البخاري (5/67-68) كتاب المناقب، باب فضل أبي بكر..
( [2] ) المطاعن التي وجهها الشيعة إلى الصديق رضي الله تعالى عنه كثيرة جدًا، وهذا الذي ذكرته غيض من فيض مما في كتبهم..
( [3] ) كما ذكر ذلك الجزائري الشيعي في الأنوار النعمانية (4/60) ..
( [4] ) ذكر ذلك البياضي الشيعي في الصراط المستقيم (3/155) ، والكاشاني الشيعي في علم اليقين (2/707) ..
( [5] ) ذكر ذلك الكركي الشيعي في (نفحات اللاهوت في لعن الجبت والطاغوت) (ق: 3/أ) ..
( [6] ) ذكر ذلك الكاشاني الشيعي في علم اليقين (2/707-708) ، والفود: معظم شعر الرأس مما يلي الأذن، وفود الرأس: جانباه (انظر: لسان العرب لابن منظور(3/340) ..
( [7] ) كما ذكر ذلك حيدر الآملي-الشيعي- في كتابه الكشكول (ص: 104) ..
( [8] ) نفحات اللاهوت للكركي (ق: 3/أ) ، والأنوار النعمانية للجزائري (1/53) ..
( [9] ) البرهان للبحراني (1/500) ..
( [10] ) تلخيص الشافي للطوسي (ص: 407) ..