فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ثم إن من القواعد المتفق عليها عند علماء الجرح والتعديل عند عرض الروايات أن يؤخذ رأي الفريق الذي تم أخذ الرواية من كتبه عند الحكم عليها ، فمثلًا عندما يأتي أحدنا بحديث من كتاب الكافي للكليني ، لا بد أن يحكم على الرواية بالاستناد على أقوال علماء الشيعة ، وكذلك الحال إذا استشهد أحدنا بحديث من صحيح البخاري ، فلا بد أن نأخذ بأقوال علماء أهل السنة والجماعة في الحكم على الرواة ، أما من أراد أن يحكم على رواة الأحاديث في كتب السنة بآراء علماء الشيعة ، فهذا لا بد له أن يرضى - أيضًا - بآراء علماء أهل السنة والجماعة في حكمهم على رواة الشيعة ، لأن معظم رواة الشيعة غير مقبولي الرواية عند علماء أهل السنة والجماعة ، وكذلك فإن معظم رواة أهل السنة والجماعة غير مقبولي الرواية عند علماء الشيعة ، إذًا فلا بد من الحكم على كل فريق بكتبه وبأقوال علمائه .
والملاحظ في الرسالة المذكورة أن المؤلف الميلاني قد ضرب بهذه القاعدة عرض الحائط !! حيث حكم على عبدالله بن عمر ، وعائشة ، وأبي موسى الأشعري ، وأنس بن مالك ، وأبي بردة بن أبي موسى ، وعروة بن الزبير ، وأبي وائل ، رضوان الله عليهم بحكم لم يكن في محله ، حيث اعتمد في طعنه على مرويات في كتب الشيعة ، أو في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد الشيعي المعتزلي ، وعلى ذلك ؛ فلا أقل من المقابلة بالمثل ، وهي إسقاط جميع الروايات التي وردت في كتب الشيعة برمتها ، لأن رواتها مطعون فيهم عند أهل السنة والجماعة ، وهكذا وبكل سهولة يكون المذهب الشيعي قد انهار إلى أبد الآبدين ، ولم أكن أتصور أن مسألة الرد ستكون بهذه السهولة !!!
في بداية الرسالة ذكر المؤلف الروايات التي ذكرت في الكتب الستة عن هذا الخبر بالإضافة إلى مسند الإمام أحمد ، والطريف اللطيف الذي يدل على تبحر هذا الناقد في كتب الحديث وعلومه هو إدراجه موطأ الإمام مالك في الكتب الستة !! فاقرأ وتعجب ، إضافة إلى أن إدراجة للموطأ قد أوقعه في مأزق كبير جدًا ، يأتي في محله إن شاء الله تعالى .
ثم إن المؤلف المتتبع قد أغفل بعض الأسانيد التي جاءت تذكر هذا الخبر ، ولكن ولله الحمد فرواية واحدة من الروايات التي ذكرها تغنينا عن تتبع باقي الأسانيد التي لم يذكرها أوالنظر فيها ، لأن أسانيد الخبر لا يرقى إليها الشك بأي حال من الأحوال ، ولنحكم بما اختاره هو من روايات ، ولنعرض عما أغفله من الروايات التي وردت في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما .
ولنبدأ الآن معه في نقده للأسانيد التي ذكرها ، وهي مرتبة حسب الرواة كالتالي . ( ملاحظة: ذكرت جميع الأسانيد بالعنعنة للاختصار ) .
1)أحاديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه:
البخاري: عن إسحاق بن نصر ، عن حسين ، عن زائدة ، عن عبدالملك بن عمير ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى .
مسلم: عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن حسين بن علي ، عن زائدة ، عن عبدالملك بن عمير ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى .
الإمام أحمد: عبدالله ، عن أبيه ، عن حسين بن علي ، عن زائدة ، عن عبدالملك ابن عمير ، عن أبي بردة بن أبي موسى ، عن أبي موسى .
قال في نقده لهذه الأسانيد ما يلي:
( إنه مرسل ، نص عليه ابن حجر وقال: يحتمل أن يكون تلقاه عن عائشة ) ، وأحال إلى مصدره وهو فتح الباري ، ولكن لنلق نظرة على ما قاله ابن حجر عن هذا الإسناد ، حيث قال: ( قوله عن أبيه عن عائشة كذا رواه جماعة عن مالك موصولا وهو في أكثر نسخ الموطأ مرسلا ليس فيه عائشة ... والظاهر أن حديث أبى موسى من مراسيل الصحابة ويحتمل أن يكون تلقاه عن عائشة أو بلال ) .
فهنا ذكر ابن حجر أن أكثر نسخ الموطأ ليس فيه ذكر لعائشة رضي الله عنها ، ومن باب التنازل مع الخصوم: فحتى لو كان الحديث من مراسيل أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ؛ فإنه نقل إما عن عائشة ، أو عن بلال رضي الله عنهما ، ومع ذلك تذكر عائشة فقط لحاجة في نفس يعقوب ، ومع ذلك كله ، ومن باب التنازل مع الخصوم إلى آخر درجة ؛ فحتى لو كان الحديث مرسلًا عن عائشة ؛ فهذا ليس بقادح فيه على الإطلاق ، لأن الصحابة كلهم عدول ، فنقل بعضهم عن بعض دون التصريح ليس فيه حرج ، وهذا كثير شائع .
ثم قال في طعنه بأبي بردة رحمه الله: (وهذا الرجل فاسق أثيم ، له ضلع في قتل حجر بن عدي ، حيث شهد عليه ـ في جماعة شهادة زور أدت إلى شهادته ) .
وكنا نتمنى من هذا المحقق بالإضافة إلى تحقيقه وطعنه لما تواتر من الأخبار ؛ أن يقوم بتحقيق الشاذ منها أيضًا ، وأن يفرغ نفسه قليلًا لها ، ولكن العقول المنكوسة قد أعيت الأطباء ، وبالرجوع إلى تاريخ الطبري رحمه الله نجد أن مدار هذه الروايات التي تطعن في أبي بردة رحمه الله يدور على أبي مخنف يحيى بن لوط الشيعي المحترق ، وقد قال عنه يحيى بن معين: ليس بثقة ، وقال أبو حاتم: متروك الحديث ، وقال الدارقطني: أخباري ضعيف !!! فهنيئًا مريئًا له هذا الإسناد .