فهرس الكتاب

الصفحة 3749 من 4557

وأما الخبر الثاني الذي ذكره فهو: ( وروي أيضًا أنه قال لأبي الغادية ـ قاتل عمار ابن ياسر رضي الله تعالى عنه ـ: أ أنت قتلت عمار بن ياسر؟ قال: نعم . قال: فناولني يدك . فقبلها وقال: لا تمسك النار أبدًا ! ) ، وقد أحال المرجع إلى شرح النهج لابن أبي الحديد الشيعي ، وقد رواه ابن أبي الحديد الشيعي بإسناد منقطع عن عبدالرحمن المسعودي عن ابن عياش المنتوف ، وابن عياش لم أجد له ترجمة ، والمسعودي إن كان هو المؤرخ المشهور فهو ساقط في مقام الاحتجاج لتشيعه المغالي .

ثم انظروا في محصلة الأمر لهذا الميلاني المائل عن الحق: يحتج بالمنقطع المبتور من الروايات ، وبخزعبلات يحيى بن لوط الفاسق الأثيم لتضعيف أبي بردة رحمه الله تعالى الثقة الثبت ، والذي قال فيه علماء الجرح والتعديل وصيارفة الحديث والنقل: ( الإمام الفقيه الثبت ... وكان من أئمة الاجتهاد ... قال ابن سعد كان ثقة كثير الحديث وقال العجلي كوفي تابعي ثقة ) . ( راجع الترجمة في سير أعلام النبلاء ) ، فياللعجب !!

ثم ذكر تضعيف عبدالملك بن عمير بقوله: ( وهو « مدلّس » و « مضطرب الحديث جدًا » و« ضع ر .

فما ذكره عن هؤلاء الأعلام صحيح إلى حد كبير ، وإن كان قد ابتلع تتمة كلام هؤلاء الأعلام ، وهو أن عبدالملك بن عمير رحمه الله إنما تغير حفظه في آخر حياته ، حيث عاش 103 سنين ، ولا يستغرب أن يتغير حفظ من بلغ هذا العمر ، ولكن هل معنى ذلك أن نرمي بجميع رواياته في البحر ؟! بالطبع لا ، وإنما يتم التفريق بين ما رواه كبار تلامذته ، وما رواه صغارهم ، وعلى هذا فروايات قدماء أصحابه عنه صحيحة موثقة ، أما روايات الأصاغر عنه فلا ، والراوي عن عبدالملك بن عمير هنا هو زائدة بن قدامة رحمه الله ، وهو من كبار أتباع التابعين كما نص عليه ابن حجر في تهذيب التهذيب الذي قام الميلاني بالرجوع إليه لقراءة الترجمة ، ومعنى كونه من كبار أتباع التابعين أنه في الطبقة التي تلي عبدالملك بن عمير بقليل ، لأن عبدالملك بن عمير من طبقة صغار التابعين ، بل كان زائدة من كبار أصحاب عبدالملك بن عمير ، وممن رووا له الكثير من الروايات ، وممن لازموه فترة طويلة قبل اختلاطه ، ولذلك فرواية زائدة عن عبدالملك بن عمير لا غبار عليها .

إضافة إلى ما سبق ؛ فكان من الأمانة العلمية والإنصاف ذكر من وثّق عبدالملك بن عمير ، وإليك ما قاله العلماء في عبدالملك بن عمير ، فقد وثقه العجلي وابن معين والنسائي وابن نمير ، وقال ابن مهدي: كان الثوري يعجب من حفظ عبدالملك ، وقال أحمد بن حنبل: مضطرب الحديث تختلف عليه الحفاظ ، وقال ابن البرقي عن ابن معين: ثقة إلا أنه أخطأ في حديث أو حديثين ، وقال ابن حجر: احتج به الجماعة ( أي أصحاب الكتب الستة ) ، وأخرج له الشيخان من رواية القدماء عنه في الاحتجاج ، ومن رواية بعض المتأخرين عنه في المتابعات ، وإنما عيب عليه أنه تغير حفظه لكبر سنه لأنه عاش مائة وثلاث سنين ، ولم يذكره ابن عدي في الكامل ، ولا ابن حبان …… فواضح مما سبق أن التضعيف إنما كان لسوء حفظه في آخر حياته ، أما رواية القدماء عنه ( ومنهم زائدة بن قدامة ) فهي مقبولة ، وقائمة في مقام الاحتجاج .

أما بالنسبة لتهمة التدليس ؛ فيبدو أن حجة الإسلام في الحديث السيد الميلاني بحاجة لتوضيح معنى التدليس عند المحدثين .

فالتدليس هو: أن يروي الراوي عمن لقيه ما لم يسمعه منه ، أو عمن عاصره ولم يلقه موهمًا أنه سمع منه ، أو أن يصف من روى عنه يصفة لا تبين من هو ؟ وينتفي التدليس تمامًا إذا صرح الثقة بتحديث شيخه له ، حتى وإن كان من كبار المدلسين إن كان صدوقًا ، فضلًا عن أن يكون دلَّس مرة أو مرتين لخطأ ورد عنه ، والملاحظ أن تهمة التدليس ليس لها أي مقام هنا ، لأن عبدالملك بن عمير رحمه الله صرح بتحديث أبي بردة رحمه الله له ، وعلى هذا فجميع الطعون في عبدالملك بن عمير ساقطة لا اعتبار لها .

ثم يواصل هراءه الذي لا ينتهي بقوله: ( وعبدالملك ـ هذا ـ هو الذي ذبح عبدالله بن يقطر أو قيس بن مسهر الصيداوي ، وهو رسول الإمام الحسين عليه السلام إلى أهل الكوفة ، فانه لما رمي بأمر ابن زياد من فوق القصر وبه رمق ؛ أتاه عبدالملك بن عميرفذبحه ، فلما عيب ذلك عليه قال: « إنما أردت أن أريحه ! » ) .

فنقول لهذا المائلاني: إن الرواية التي احتججت ساقطة باطلة ، وما أعجب الرافضة في معارضتهم للمتواتر من الأحاديث بالباطل منها ، ومع أن ابن كثير رحمه الله قد ذكر هذه الحادثة في كتابه البداية والنهاية ( جزء 8 ص 168 ) إلا أنها ساقطة أيضًا لأنها من روايات أبي مخنف يحيى بن لوط هذا أولًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت