وأما قول الميلاني في آخر هذا الفصل: ( ومما يؤكد ذلك اختلاف النقل عنها في القضية وهي واحدة ) ، فهذا إن دل على شيء ؛ فإنما يدل على تحامله الشديد ، لأن كل من قرأ كتب الشيعة وجدهم يؤمنون بروايات وردت من طرق الشيعة والسنة تحكي قصة واحدة ، وتتضارب بينها أشد التضارب ، ومن ذلك الحادثة المزعومة في تصدق علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالخاتم ، وحديث أصحاب الكساء ، وحديث تظاهر عائشة وحفصة رضوان الله عليهما على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلى غير ذلك من الأحاديث التي اختلفت الرواية فيها ، فأهل السنة والجماعة لهم ضوابط في هذه المسألة في الجمع والترجيح عند صحة الأسانيد ، ولكن يبدو أن الأخ الميلاني غير مقتنع بهذا كله ، فليطبق هذه القاعدة على كتب الحديث الشيعية فقط إذًا ، وليسقط جميع الأحاديث التي اختلف النقل فيها ، وننتظر منه الخروج بشيء ولو كان يسيرًا !!
وجميع روايات البخاري ومسلم صحيحة الإسناد ، ولا خلاف في رواتها ، ولا غبار عليها ، وبلا شك فهناك ابن ماجة عن ابن عباس ، فهي ضعيفة الإسناد ، ولكن لا مطعن في الروايات الباقية ولله الحمد والمنة على إظهاره الحق .
وبعد هذا العرض لطريقة تفكير هذا الشخص ، وطريقته الفذة في قبول الأخبار ؛ لا داعي للاستطراد في الرد عليه في بقية كلامه من طعنه في متون الأحاديث ، لأن غالب ما يستشهد به أحاديث ضعيفة قد مر بنا بعض النماذج منها ، ويأخذ هذه الأحاديث الضعيفة وكأنها من المتواتر الذي لا يمكن رده ، ويريد بهذه الأحاديث الضعيفة أن يطعن فيما أثبته كبار الحفاظ والأئمة في كتبهم ، وهيهات له ذلك .
ولنأخذ في هذه العجالة حديثًا واحدًا مما ذكره ، حيث ذكر الحديث: ( في المسند: حدثنا أبو كريب قال: حدثنا يونس بن بكير ، قال: حدثنا يونس بن عمرو عن أبيه ، عن الأرقم بن شرحبيل ، قال: سألت ابن عباس أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: لا . قلت: فكيف كان ذلك ؟ قال: قال رسول الله: ابعثوا إلى علي فادعوه ، فقالت عائشة: لو بعثت إلى أبي بكر ؟ وقالت حفصة: لو بعثت إلى عمر ؟ فاجتمعوا عنده جميعا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: انصرفوا ، فإن تك لي حاجة ابعث إليكم ) !!!! وهو بهذا الحديث يريد أن يثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يريد عليًا ، ولكن هذا السخيف قد حذف بقية الحديث التي هي: ( فانصرفوا ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: آن الصلاة ؟ قيل: نعم . قال: فأمروا أبا بكر ليصلي بالناس !! فقالت عائشة: إنه رجل رقيق فمر عمر . فقال: مروا عمر . فقال عمر: ما كنت لأتقدم وأبو بكر شاهد . فتقدم أبو بكر ، ووجد رسول الله خفة فخرج ، فلما سمع أبو بكر حركته تأخر ، فجذب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوبه فأقامه مكانه ، وقعد رسول الله فقرأ من حيث انتهى أبو بكر ) !!!! فياللأمانة العلمية ، فالميلاني يؤكد صحة خبر إمامة أبي بكر رضي الله عنه للناس في حياة النبي صلى الله عليه وسلم باستشهاده بهذا الخبر .
علمًا بأن يونس بن عمرو: قال فيه يحيى بن معين: كانت فيه غفلة شديدة ، وقد علمنا مقدار أقوال يحيى بن معين عند الميلاني ، وقال الأثرم: سمعت أحمد يضعف حديث يونس عن أبيه ، وقال: حديث إسرائيل أحب إلي منه ، وقال عبدالله بن أحمد عن أبيه: حديثه مضطرب ، وقال أبو حاتم: كان صدوقًا إلا أنه لا يحتج بحديثه .
إضافة إلى أن طعنه في أن أبا بكر رضي الله عنه كان في جيش أسامة لا وجه له ، لأن أبا بكر كان في جيش أسامة ، ثم استثناه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأمره بالصلاة بالناس في المدينة .
وأما عدم دلالة الصلاة بالناس على الإمامة بدليل تولية الرسول صلى الله عليه وسلم لعبدالله بن أم مكتوم عند مغادرته المدينة ؛ فهذا أمر طريف حقًا ، لأن جميع من سبقوا أبا بكر رضي الله عنه ؛ إنما ولاهم الرسول صلى الله عليه وسلم الإمامة حال غيابه عن المدينة ، أما في قصتنا هذه ؛ فقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه أن يصلي بالناس وهو مقيم معهم في المدينة ، ليتنبه الناس أن من ارتضاه الرسول صلى الله عليه وسلم لدينهم ؛ فقد ارتضاه لدنياهم ، ومن مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي بهم ؛ فهو أولى الناس بالخلافة .
وأما الاستشهاد بأحاديث ابن أبي الحديد الشيعي المعتزلي ؛ فنذكر الميلاني وغيره بالرواية التي رواها ابن أبي الحديد في كتاب شرح نهج البلاغة عن علي رضي الله عنه أن قال: ( ولقد أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة بالناس وهو حي ) شرح النهج: 3/131 باب 44 .