فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وقد بين الإمام النووي أن هذه الأقوال مبنية على بعض أصول أهل السنة وهي أولًا: أنه لا يثبت بالعقل ثواب ولا عقاب، وهذه إشارة إلى مسألة الحسن والقبح التي سنتكلم فيها عما قريب. وثانيًا: أن الله تعالى لا يجب عليه شيء، وهذه القضية أصل لمسألة الحسن والقبح. وثالثًا: أن الله تعالى فاعل بالاختيار، وهذا أصل للمسألتين السابقتين، وهو ما أشار إليه بقوله يفعل ما يشاء ويختار. ورابعًا: أنه لا تصرّف لأحد في الوجود إلا لله سبحانه وتعالى، أي لا فاعل إلا هو، وهو ما أشار إليه بقوله بل العالم كله في سلطانه وهذا مأخوذ من دليل الوحدانية. فلما ثبت عندنا وجوب كونه تعالى فاعلًا مختارًا واحدًا أحدًا متفردًا بالتصرف في هذا العالم وتدبيره ولا فاعل غيره، انتفى مبدأ العليّة في الكون مطلقًا من طريق الشرع، فانتفى وجوب شيء على الله تعالى، فصح أنه لا يثبت بالعقل ثواب ولا عقاب، ومما يفهم من ذلك أن العقل كما يجيز الثواب على المطيع فإنه يجيز العقاب عليه، ومثله يقال في حق العاصي. ولما لم يثبت شيء من الثواب والعقاب بالعقل بل ثبوته إنما هو بالشرع، نظرنا في الشرع فقرأنا حديث مسلم وغيره فقلنا: إن الله تعالى ينعّم المطيع تفضلًا ويعذب العاصي عدلًا فثبت عند العقل هاتان القضيتان على الجواز بتوسط علمنا بوجوب الصدق في خبره تعالى وخبر رسوله (، وحين قرأنا قوله تعالى: (ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(، و(وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(، و(فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ(، وأمثال ذلك كثير من الآيات والأحاديث التي تعد المؤمنين بالجنة والكافرين بالنار، وجب عند العقل هاتان القضيتان بتوسط وجوب الصدق وملاحظة الوعد لا من نفس القضيتين. فتنبه. وهذا ما أشار إليه النووي بقوله:(ولكن الله أخبر وخبره الصدق أنه لا يفعل هذا، بل يغفر للمؤمنين، ويدخلهم الجنة برحمته، ويعذب المنافقين ويخلدهم في النار عدلًا منه) . وهذا حقيقة قول أهل السنة.