فهرس الكتاب

الصفحة 3789 من 4557

ولنحرر الآن المقصود من قول أئمة أهل السنة بأنه لا يجب على الله شيء. إن (لا) هنا أداة للنفي. و (يجب) أي فعله عقلًا، وقد عرفنا معنى الوجوب العقلي، فيصير المراد من (يجب) ما لا يتصور العقل من الله عدم فعله (أي إيجاده أو إعدامه) ، أو ما لا ينفك العقل عن تصور أن الله لا محالة فاعله. و (الله) سبحانه وتعالى علم على الذات الواجب الوجود المتصف بجميع صفات الكمال والمسلوب عنه كل نقص وعيب، والذي لا مستغنيَ عن كل ما سواه ومحتاج إليه كل ما عداه إلا هو سبحانه وتعالى. و (الشيء) لغة هو ما يصح أن يُعلم ويخبر عنه فيشمل الموجود والمعدوم، ممكنًا كان أو محالًا. واصطلاحًا هو الموجود خارجيًا كان أو ذهنيًا، قديمًا أو حادثًا. (1) [1] ولكن لما كان الكلام في أفعال الله سبحانه وتعالى، كانت هذه القرينة مخصصة لعموم كلمة شيء، وقاصرة إياها على الجائزات العقلية فحسب. لأن المستحيل غير قابل للوجود لذاته فلا تعلق لقدرة الله سبحانه به إيجاداَ وإعدامًا. وأما الواجب أي واجب الوجود، فليس هناك ما هو واجب الوجود إلا الله سبحانه المتصف بصفات الكمال؛ ولما كان من شأن الله سبحانه الإيجاد والإعدام بقدرته، فإن هذه القدرة لو جاز تعلقها بالواجب على وجه الإيجاد لزم تحصيل الحاصل (أعني إيجاد الموجود) ، وهو محال. ولو جاز تعلق القدرة بالواجب على وجه الإعدام لزم إعدام الواجب كيف وهو الذي لا يتصور في العقل عدمه، هذا خلف؛ أو لزم انقلاب الواجب لذاته جائزًا وكلاهما محالان أيضًا. وعلى ما بيناه، يكون حاصل عبارتهم: ( لا يجب على الله فعل أمر ممكن عقلًا) ، وبتحليل القضية أكثر نعرف أن موضوعها هو (فعل أمر ممكن) ومحمولها (واجب على الله) وقد دخل النفي على القضية فصارت (فعل أمر ممكن ليس بواجب على الله) . ومما سبق عرفنا أن فعل الله إنما هو إيجاد أو إعدام، وهما لا يجوزان إلا على الممكنات، وعليه يمكن جعل موضوع القضية هو فعل الله مطلقًا لما أن فعله يستلزم أن يكون المفعول ممكنًا. فتصير القضية (فعل الله ليس بواجب على الله) . فتأمل هذه القضية، وانظر هل يستطيع أحد أن ينكر صحتها. ومع ذلك لنناقش القضية أكثر؛ إن كان (مطلق الفعل على الله ليس بواجب) فماذا يكون؟ إما أن يكون مستحيلًا أو يكون جائزًا. والأول محال لأنا نرى العالم كله الذي هو من فعل الله متحققًا، فيبقى أن مطلق الفعل على الله جائز عقلًا، فهل يخالف في هذه القضية أحد؟ إن المخالف في هذه القضية لا بد وأن يدعي أن الفعل على الله واجب عقلًا، أي أن الله تعالى مضطر إلى الفعل. وهذا عين القول بأن الله علة للعالم بلا اختيار منه سبحانه وتعالى. فلا تجد قائلًا يقول بأن الفعل واجب على الله تعالى إلا وهو يقول أو يلزم عن قوله القول بالفيض والعلة والمعلول، ودوام الجود الذي يعني أن الله تعالى دائم التخليق منذ الأزل، وستجده يقول بقدم العالم بالنوع لأن هذا من لوازم دوام الجود على المعنى المشار إليه. وستجده يؤول إرادة الله إلى معانٍ أخرى غير المعنى الذي يثبته أهل السنة وهو أنها (صفة قديمة تتعلق بجميع الممكنات وتوجب تخصيصها ببعض ما يجوز عليها) ، كأن يقول إرادة الله هي عين فعله، أو عين علمه أو تجده ينفي الإرادة مطلقًا من جهة أخرى وهي أن القديم لا يتعدد، ويتغافل عن أن أحدًا من أهل السنة لم يقل أبدًا بتعدد القدماء، بل هو إله واحد قديم متصف بصفات منها العلم والقدرة والإرادة، لكن من شأن العقل حين يلاحظ في الشيء الواحد أكثر من معنى أنه يفصل هذه المعاني عن بعضها وأنه يقدر على ملاحظة كل منها بالاستقلال عن الآخر، في حين أن نفس هذا العقل قد أقام البرهان على استحالة تعدد القدماء في الخارج، وعليه فلا يمكنه أن يتصور أكثر من قديم.

(1) - راجع الكليات لأبي البقاء الكفوي ص525، ط 2 مؤسسة الرسالة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت