فهرس الكتاب

الصفحة 3790 من 4557

وعلى أي حال، ما نريد قوله هو أن القضية الأولى التي يذكرها المشايخ وهي أنه لا يجب على سبحانه شيء، أو أنه يجوز على الله سبحانه فعل كل ممكن أو تركه، هي أصل من أصول الدين؛ وأن منكرها لا بد أن يقول بنفي الاختيار عن الله سبحانه وإثبات الاضطرار له تعالى عن ذلك بطريقة أو بأخرى، وأن يقول بقدم العالم بالنوع، أو بنفي وجود العالم وتأويل معنى الخلق والفعل وصرفه عن معنى الإيجاد من العدم كما هي حال الذين ينعقون بوحدة الوجود من حيث يدركون أو لا يدركون لوازم أقوالهم، إلى غير ذلك من اللوازم الفاسدة التي تؤول إلى نفي الصانع جل وعلا كما هو مبين في محله من كتب الكلام. واعلم أنه لا مناص من التسليم بهذا الأصل لأن الأمر الممكن إن لم يكن فعله ممكنًا فلا بد وأن يكون إما مستحيلًا أو واجبًا. والأول محال لأن الممكن إذا استحال فعله لم يكن ممكنًا بل مستحيلًا أو واجبًا. وإذا وجب فعله لزم نفي الاختيار عن الفاعل، وقدم العالم بالنوع لكون الإله علة للعالم، أو القول بكونه تتخصص إرادته وقدرته بشيء من العالم أو شيء منه، إلى غير ذلك من المفاسد، وهذا كله ليس هو دين الله الذي أنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم . واعلم أنه لا فرق بين أن توجب على الله الفعل مطلقًا وأن توجب عليه بعض الأفعال، كما سيأتي بيانه. فتأمل. وبهذا تم لنا الاستدلال على صحة كلام النووي من طريق الشرع والعقل.

قوله: (لو عذب الله المطيع لكان ذلك قبيحًا منه سبحانه) ، قلنا: بل القبيح قولك وقول من قال بقولك. لأن أفعال الله تعالى لا توصف بالقبح. ليس لأنه تعالى لا يفعل القبيح، بل لأن أصل القبح لا يتصور في فعله كما سنبينه إن شاء الله. ثم إن هذا الذي تقوله أيها المخالف قياس لله تعالى على مخلوقاته، فلا يصح. بل إنكم لا تصححون الاحتجاج بالقياس في الشرعيات مطلقًا، فكيف تقيسون الخالق على المخلوق؟

ونأتي الآن إلى تحرير المراد من قول علماء أهل السنة: (لا يقبح من الله سبحانه وتعالى شيء) . وسأستعين في توضيح ذلك بنص للعلامة الأصفهاني رحمه الله تعالى في شرح مطالع الأنظار قال: (المسألة الثالثة في التحسين والتقبيح. التحسين هو الحكم بالحسن، والتقبيح هو الحكم بالقبح. ولا قبيح بالنسبة إلى الله تعالى. أما بالنسبة إلى أفعال نفسه فلاتفاق العقلاء على أن الفعل الصادر منه لا يتصف بالقبح لكونه نقصًا، والنقص على الله تعالى محال. وأما بالنسبة إلى أفعال العباد فلأنه مالك الأمور على الإطلاق يفعل ما يشاء ويختار، لا علة لصنعه ولا غاية لفعله. وأما بالنسبة إلينا فالقبيح ما نهي عنه شرعًا وهو منحصر في الحرام إن أريد بالنهي نهي التحريم، وإن أريد بالنهي نهي التنزيه فالقبيح هو الحرام والمكروه. والحسن ما ليس كذلك أي ما ليس بمنهي عنه شرعًا، ففعل الله تعالى والواجب والمندوب والمباح وفعل غير المكلف حسن، وكذلك المكروه إن أريد بالنهي نهي التحريم) اهـ. (1) [2]

أقول: هذا تصوير لمذهب أهل السنة في هذه المسألة يبين مرادهم واصطلاحهم بكل وضوح. ولنحرر الخلاف بيننا وبين غيرنا مقتصرين على ما يهمنا في هذا المقام رغبة في الاختصار. نحن نقول: (لا قبيح بالنسبة إلى الله تعالى) والمعنى الدقيق لهذا الكلام أننا نقول باستحالة تصور القبح في فعل الله تعالى، فمثلًا يستحيل تصور الظلم في حقه تعالى لأن معنى الظلم هو التصرف في ملك الغير ولا ملْكَ إلا ملك الله سبحانه فلا ملك للغير على الاستحالة، وعليه فمهما تصورنا من أفعال الله تعالى فلا يمكن أن يكون ما تصورناه مصداقًا لمفهوم الظلم. ومن يخالفنا في هذه القضية لا بد أنه يقول بنقيض قضيتنا لأنه لا ثالث بين النفي والإثبات، فإن خالف نفينا للقبح عن فعل الله سبحانه فإنه مثبت له لا محالة. فتكون قضيته: (بعض القبيح ينسب إلى الله تعالى) لأن قضيتنا سالبة كلية فنقيضها موجبة جزئية. ولتقليل الانتشار دعونا نخرج من عموم النسبة إلى الله تعالى إلى قضية أخص تتعلق بفعله، لأن غير فعله إما أن يكون صفته أو ذاته ولا قائل بقبح شيء منها بالاتفاق. واعلم أنه لا أحد ممن يخالفنا من العقلاء يقول إن الله يفعل القبائح، أو ينسب إلى الله القبح في فعل. بل هو قائل باستحالة أن يفعل الله القبيح لكونه عالمًا بقبحه، وعالمًا بكونه غنيًا عنه، فيجب عليه ترك القبيح. فتأمل. وهذا هو سبب كون مسألة الحسن والقبح فرعًا لمسألة عدم وجوب شيء على الله. وقد أبطلناه.

(1) - شرح مطالع الأنظار على طوالع الأنوار، ص 195 ط1 المطبعة الخيرية سنة 1323 هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت