فهرس الكتاب

الصفحة 3865 من 4557

كما يدخل فيه أيضًا: من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم ثم ارتد واستمر على ردته حتى الموت ، مثل: عبيد الله بن جحش ، الذي هاجر إلى الحبشة و هناك تنصر و مات على نصرانيته ، و ربيعة بن أمية الجمحي ، فإنه ارتد في خلافة عمر حيث فرّ إلى بلاد الروم ، فلحق بهم و تنصر ، و ابن خطل الذي ارتد و قتل على ردته يوم فتح مكة . أنظر: الإصابة (1/7 ) ، و محاضرات في علوم الحديث (ص39 ) ، غير أن هذا سيخرج فيما بعد من مفهوم الصحابة بالقيد الأخير .

و قولنا بعد بعثته: فصل آخر خرج به من لقيه مؤمنًا به قبل بعثته صلى الله عليه وسلم ، مثل: زيد بن عمرو بن نفيل ، و جرجيس بن عبد القيس المعروف ببحيرا الراهب ، فقد عرفه و هو ذاهب إلى الشام و آمن به قبل بعثته . أنظر: الزرقاني على المواهب (7/27) و محاضرات في علوم الحديث (ص39 ) ؛ فإن هؤلاء لا يدخلون في مفهوم الصحابة ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ، لم يكن مبعوثًا حين أمنوا به و صدقوه .

و على هذا: فما مثّل به البعض هنا بورقة بن نوفل غير صحيح ، لأنه قد لقي النبي صلى الله عليه وسلم ، و آمن به بعد أن بعث صلى الله عليه وسلم ، و جاءه الوحي ، و لهذا فقد جزم ابن الصلاح بثبوت صحبته . أنظر: الزرقاني على المواهب (7/27) .

و قولنا حال حياته: فصل آخر خرج به من لقيه يقظة مؤمنًا به بعد انتقاله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى ، أنظر: فتح الباري (7/7 ) و الإصابة (1/7-8 ) و فتح المغيث (4/80 ) ، مثل: أبي ذؤيب الهذلي الشاعر - أنظر: الإصابة (2/364 ) - ، فقد رآه و هو مسجى ، قبل أن يدفن صلى الله عليه وسلم .

و قولنا: و مات على الإيمان: هو فصل آخر خرج به من لقيه مؤمنًا به ، ثم ارتد و استمر على ردته ، حتى الموت ، و قد تقدمت أمثلته . هذا بالنسبة لتعريف الصحابي عند جمهور المحدثين ، وفي الحلقة القادمة يسكون الحديث عن تعريف الصحابي عند جمهور الفقهاء والأصوليين ، و ترجيح التعريف الصحيح في ذلك .

ذهب جمهور الفقهاء والأصوليين في تعريف الصحابي إلى أنه:-

من لقي النبي صلى الله عليه وسلم يقظة مؤمنًا به ، بعد بعثته ، حال حياته ، و طالت صحبته و كثر لقائه به ، على سبيل التبع له ، والأخذ عنه ، وإن لم يرو عنه شيئًا ، و مات على الإيمان .

شرح التعريف:

قولهم: من لقي النبي .. الخ: تقدم شرح ذلك و بيان ما فيه ، في تعريف الصحابي عند جمهور المحدثين .

و قولهم: طالت صحبته:- أي أن يكون الصحابي قد جالس النبي صلى الله عليه وسلم و لقيه كثيرًا .

و قد اختلف العلماء في المدة التي يقال فيها طالت صحبته ، فمنهم من حددها بسنة فأكثر ، وعليه ابن المسيب ، كما نقله عنه الشوكاني في إرشاد الفحول ( ص 70) ، وابن الهمام في التحرير (3/66) و الآلوسي في أجوبته العراقية (ص 9) وغيرهم .

و منهم من حددها بستة أشهر فأكثر ، كما نقله عن بعض العلماء صاحب التيسير (3/66) و الشوكاني في إرشاد الفحول (ص 70) والآلوسي في الأجوبة العراقية ( ص 9) و غيرهم .

و قد رد على هذين القولين بما ذكره الشوكاني في إرشاد الفحول (ص70) حيث قال: ولا وجه لهذين القولين ، لاستلزامهما خروج جماعة من الصحابة الذين رووا عنه ولم يبقوا لديه إلا دون ذلك ، و أيضًا لا يدل عليهما دليل من لغة ولا شرع .

ومنهم من رأى أنها لا تحدد بمقدار ، وإنما هي تطول بحيث يطلق عليها اسم الصحبة عرفًا .

و هذا هو القول الراجح والأصح عندهم ، وإليه ذهب الجمهور منهم .

و قولهم: على سبيل التبع له والأخذ عنه:- هذا قيد إنما جيء به في الحقيقة لبيان الواقع ، لأن من طالت صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم عرفًا لا يكون إلا على سبيل المتابعة له والأخذ عنه ، ولا يصح أن يكون قيدًا له مفهوم ، إذ لا نعلم أن هناك من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من طالت صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن متابعًا له ، آخذًا عنه .

و قولهم: وإن لم يرو عنه شيئًا:- اختلف جمهور أهل الفقه والأصول في ذلك ، فمنهم من يشترط لثبوت الصحبة ثبوت الرواية عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، مثل: الشوكاني في إرشاد الفحول (ص70) والسيوطي في تدريب الراوي (2/112) وغيرهم .

ومنهم من ذهب إلى أنه لا يشترط لثبوت الصحبة ثبوت الرواية عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، مثل: القاضي أبي يعلى الفراء في العدة (ص3/989) والآمدي في الإحكام (1/275) و السبكي في جمع الجوامع (2/179) و غيرهم .

والقول الراجح هو القول الثاني ؛ لأن القول باشتراط الرواية لتحقق مفهوم الصحبة يؤدي إلى خروج كثير من الصحابة الذين لم تحفظ لهم رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مع اتفاق العلماء الذين ترجموا للصحابة على عدهم فيهم . و قد تقدمت الأمثلة على ذلك في تعريف الصحابي عند جمهور المحدثين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت