... يشير بذلك إلى ما رواه الشيخان من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: (لما اشتد ب النبي صلى الله عليه وسلم وجعه، قال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده، قال عمر: إن النبي صلى الله عليه وسلم غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا، فاختلفوا، وكثر اللغط، قال: قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع) . (1)
... وقد ذكره الرافضي بنصه في موضع آخر سيأتي قريبًا مستدلًا به على طعنه في الصحابة، ولذا أؤجل الرد عليه في ذلك، وتوجيه الحديث إلى موطنه الذي ذكره فيه، وأقتصر الآن في الرد على الشبهة التي أثارها هنا، وهو زعمه أن اختلافهم هذا هو الذي حرم الأمة الإسلامية من العصمة ورماها في الضلالة والتفرق إلى قيام الساعة.
... والجواب على هذا: إن قوله هذا باطل، وهو يعني أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد ترك تبليغ أمته ما فيه عصمتها من الضلال، ولم يبلغ شرع ربه لمجرد اختلاف أصحابه عنده حتى مات على ذلك، وأنه بهذا مخالف لأمر ربه في قوله: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ... أخرجه البخاري في: (كتاب العلم، باب كتابة العلم) فتح الباري 1/208، ... ح114. ومسلم: (كتاب الوصية، باب ترك الوصية لمن ليس له شئ يوصي ... فيه) 3/1259.
بلغت رسالته والله يعصمك من الناس. (1)
... وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم مبرأً من ذلك ومنزهًا بتزكية ربه له في قوله: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عَنِتُّم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم} (2)
... فوصفه بالحرص على أمته: أي على هدايتهم، ووصول النفع الدنيوي والأخروي لهم، ذكره ابن كثير في تفسيره (3) :
... وإذا كان هذا الأمر معلومًا بالاضطرار من دين الإسلام عند الخاص والعام، لايشك فيه من في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان، أن هذا الرسول الكريم قد بلغ كل ما أُمر به، وكان أحرص ما يكون على أمته، بما هو متواتر من جهاده وتضحيته، وأخباره الدالة على ذلك، علمنا علمًا يقينيًا لا يشوبه أدنى شك، أنه لو كان الأمر كما يذكر هذا الرافضي من الوصف لهذا الكتاب من أن به عصمة الأمة من الضلال في دينها، ورفع الفرقة والاختلاف فيما بينها، إلى أن تقوم الساعة، لما ساغ في دين ولا عقل أن يؤخر رسول الله صلى الله عليه وسلم
كتابته إلى ذلك الوقت الضيق، ولو أخره ما كان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ... سورة المائدة 67.
(2) ... سورة التوبة 128.
(3) ... انظر تفسير ابن كثير 2/404.
ليتركه لمجرد اختلاف أصحابه عنده (1) وقد ثبت من سيرته أنه لربما راجعوه أحيانًا في بعض المسائل مجتهدين، فما كان يترك أمر ربه لقولهم، كمراجعة بعضهم له في فسخ الحج إلى عمرة في حق من لم يسق الهدي، وذلك في حجة الوداع، وكذلك مراجعة بعضهم له يوم الحديبية، وفي تأمير أسامة (2) - (-، فهل يتصور بعد هذا أن يترك أمر ربه فيما هو أعظم من هذا لخلافهم، ولو قدر أنه تركه في ذلك الوقت لتنازعهم عنده لمصلحة رآها فما الذي يمنعه من أنه يكتبه بعد ذلك، وقد ثبت أنه عاش بعد ذلك عدة أيام فقد كانت وفاته -عليه الصلاة والسلام- يوم الإثنين على ما جاء مصرحًا به في رواية أنس في الصحيحين(3) وحادثة الكتاب يوم الخميس بالاتفاق.
... فإن أبى الرافضي إلا جدالًا، وقال: خشي أن لا يقبلوه منه، ويعارضوه فيه، كما تنازعوا عنده أول مرة، قلنا: لا يضره ذلك وإنما عليه البلاغ كما قال تعالى: من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ... ذكر هذا الوجه من الردّ الدهلوي. انظر: مختصر التحفة الاثني عشرية ... ص251.
(2) ... انظر: الأحاديث في ذلك من صحيح البخاري مع الفتح 3/606، ... ح1785، 8/587، ح4844، 8/152، ح4468،4469.
(3) ... انظر: صحيح البخاري مع الفتح 8/143، ح4448، وصحيح مسلم 1/315، ح419.
تولى فما أرسلناك عليهم حفيظًا. (1)
... فإذا ثبت هذا باتفاق السنة والرافضة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكتب ذلك الكتاب حتى مات، علمنا أنه ليس من الدين الذي أمر بتبليغه، ولا على ما يصفه هذا الرافضي من المبالغة لاستحالة ذلك على الرسول (.
... ولِمَا دل عليه القرآن من أن الله قد أكمل له ولأمته الدين، فأنزل عليه قبل ذلك في حجة الوداع: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا} . (2)
... وكما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك في قوله: (إني تركتكم على مثل البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك) . (3)
... فإذا تقرر بطلان ما يدعي هذا الرافضي من أن الأمة وقعت في الضلالة، وحرمت العصمة بسبب عدم كتابة الرسول صلى الله عليه وسلم لهم ذلك الكتاب لاختلاف الصحابة عنده:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ