... المسألة الأولى: أن الخلاف الذي حصل بينهم لم يكن في الخلافة، ولم ينازع عليًا أحد من مخالفيه فيها، ولم يدع أحد منهم أنه أولى بها من علي رضي الله عنه .
... ومن أقوى الأدلة، وأكبر الشواهد على هذا: اجتماع الصحابة رضي الله عنهم على مبايعته بالخلافة بعد مقتل عثمان -(- بما فيهم طلحة والزبير -رضي الله عنهما-، وقد دلت على ذلك الروايات الصحيحة المنقولة عنهم في ذلك.
... منها مارواه الطبري في تاريخه بسنده إلى محمد بن الحنفية، قال: «كنت مع أبي حين قتل عثمان -(- فقام فدخل منزله، فأتاه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا: إن هذا الرجل قد قتل ولابد للناس من إمام، ولا نجد اليوم أحدًا أحق بهذا الأمر منك، لا أقدم سابقة، ولا أقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: لا تفعلوا، فإني أكون وزيرًا، خيرٌ من أن أكون أميرًا، فقالوا: لا والله ما نحن بفاعلين حتى نبايعك، قال: ففي المسجد فإن بيعتي لا تكون خَفِيًّا ولا تكون إلا عن رضا المسلمين.
... قال سالم بن الجعد، فقال عبدالله بن عباس: فلقد كرهت أن يأتي المسجد مخافة أن يُشْغَب عليه، وأبى هو إلا المسجد، فلما دخل دخل المهاجرون والأنصار فبايعوه ثم بايعه الناس». (1)
... وعن أبي بشير العابدي قال: «كنت بالمدينة حين قتل عثمان - (- واجتمع المهاجرون والأنصار فيهم طلحة والزبير فأتوا عليًا، فقالوا: يا أبا الحسن هلم نبايعك، فقال: لا حاجة لي في أمركم أنا معكم، فمن اخترتم فقد رضيت به، فاختاروا والله، فقالوا: ما نختار غيرك....» (2) الخ الرواية، وفيها تمام البيعة لعلي-(-.
... والروايات في هذا كثيرة ذكر بعضها ابن جرير في تأريخه (3)
وهي دالة على مبايعة الصحابة رضي الله عنهم ل علي رضي الله عنه واتفاقهم على بيعته بما فيهم طلحة والزبير، كما جاء مصرحًا به في الرواية
السابقة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ... تاريخ الطبري 4/427.
(2) ... تاريخ الطبري 4/427-428.
(3) ... انظر: تاريخ الطبري 4/427-429، وقد قام بجمع هذه الروايات ودرسها ... الدكتور محمد أمحزون في كتابه القيم: (تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة ... 20/59-75.
... وأما ما جاء في بعض الروايات من أن طلحة، والزبير بايعا مكرهين فهذا لا يثبت بنقل صحيح، والروايات الصحيحة على خلافه.
... فقد روى الطبري عن عوف بن أبي جميلة قال: «أما أنا فأشهد أني سمعت محمد بن سيرين، يقول: إن عليًا جاء فقال لطلحة: ابسط يدك ياطلحة لأبايعك. فقال طلحة: أنت أحق، وأنت أمير المؤمنين، فابسط يدك، فبسط علي يده فبايعه» . (1)
... وعن عبد خير الخَيْوانيّ أنه قام إلى أبي موسى فقال: «يا أبا موسى، هل كان هذان الرجلان -يعني طلحة والزبير- ممن بايع عليًا قال: نعم...» . (2)
... كما نص على بطلان ما يُدَّعَى من أنهما بايعا مكرهين، الإمام المحقق ابن العربي وذكر أن هذا مما لا يليق بهما، ولا بعلي قال
-رحمه الله-: «فإن قيل بايعا مكرهين [أي طلحة والزبير] ، قلنا: حاشا لله أن يكرها، لهما ولمن بايعهما، ولو كانا مكرهين ما أثر ذلك، لأن واحدًا أو اثنين تنعقد البيعة بهما وتتم، ومن بايع بعد ذلك فهو لازم له، وهو مكره على ذلك شرعًا، ولو لم يبايعا ما أثر ذلك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ... تاريخ الطبري 4/434.
(2) ... المصدر نفسه 4/486.
فيهما، ولا في بيعة الإمام.
... وأما من قال يد شلاء وأمر لا يتم (1) ، فذلك ظن من القائل أن طلحة أول من بايع ولم يكن كذلك.
... فإن قيل فقد قال طلحة: (بايعت واللُّجّ علي قَفَيّ) قلنا: اخترع هذا الحديث من أراد أن يجعل في (القفا) لغة (قفى) ، كما يجعل في (الهوى) (هوي) ، وتلك لغة هذيل لا قريش (2) ، فكانت كذبة لم تدبر.
... وأما قولهم: (يد شلاء) لو صح فلا متعلق لهم فيه، فإن يدًا شُلّت في وقاية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتم لها كل أمر، ويتوقى بها من كل مكروه، وقد تم الأمر على وجهه، ونفذ القدر بعد ذلك على حكمه». (3)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ... إشارة إلى ما جاء في بعض الروايات: أن أول من بايع عليًا طلحة -رضي ... الله عنهما- وكان بيده اليمنى شلل، لما وقى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، ... فقال رجل في القوم: أول يد بايعت أمير المؤمنين شلاء لا يتم هذا الأمر. ... انظر: تاريخ الطبري 4/435، والبداية والنهاية لابن كثير 7/237.
(2) ... وقيل هي: لغة طيّ. ذكره ابن الأثير في النهاية 4/94 وكذلك: اللُّجّ ليس ... من لغة قريش بل من لغة طيّ، قال ابن الأثير: «هو بالضّم: السيف بلغة ... طيّ» النهاية 4/234، وقيل هو السيف أيضًا بلغة هذيل وطوائف من ... اليمن. انظر لسان العرب 2/354.
(3) ... العواصم من القواصم ص148-149.