فهرس الكتاب

الصفحة 3877 من 4557

... يشهد لهذا ما ذكره الطبري حيث يقول: «واجتمع إلى علي بعدما دخل طلحة والزبير في عدة من الصحابة، فقالوا: يا علي إنا قد اشترطنا إقامة الحدود، وإن هؤلاء القوم قد اشتركوا في دم هذا الرجل وأحلّوا بأنفسهم، فقال لهم: يا إخوتاه، إني لست أجهل ما تعلمون، ولكني كيف أصنع بقوم يملكوننا ولا نملكهم! هاهم هؤلاء قد ثارت معهم عبدانكم، وثابت إليهم أعرابكم، وهم خلالكم يسومونكم ما شاءوا، فهل ترون موضعًا لقدرة على شيء مما تريدون؟ قالوا: لا، قال: فلا والله لا أرى إلا رأيًا ترونه إن شاء الله» . (1)

... ويقول ابن كثير: «ولما استقر أمر بيعة علي دخل عليه طلحة والزبير ورؤوس الصحابة رضي الله عنهم وطلبوا منه إقامة الحدود، والأخذ بدم عثمان، فاعتذر إليهم: بأن هؤلاء لهم مدد وأعوان،ــــــــ

(1) ... تاريخ الطبري 4/437.

وأنه لا يمكنه ذلك يومه هذا». (1)

... فكان هذا هو عذر علي رضي الله عنه في بداية الأمر، أما بعد ذلك فإن الأمور أصبحت أكثر تعقيدًا، وأشدّ اشتباهًا، خصوصًا بعدما اقتتل الصحابة رضي الله عنهم في معركة الجمل بغير اختيار منهم، وإنما بسبب المكيدة التي دبرها قتلة عثمان للوقيعة بينهم، كما تقدم بيان ذلك، فلم يكن أمر الاقتصاص مقدورًا عليه بعد هذه الأحداث لا لعلي، ولا لغيره من مخالفيه، وذلك لتفرق الأمة وانشغالها بما هو أولى منه من تسكين الفتنة ورأب الصدع.

... يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «لم يكن علي مع تفرق الناس عليه متمكنًا من قتل قتلة عثمان، إلا بفتنة تزيد الأمر شرًّا وبلاءً. ودفع أفسد الفاسدين بالتزام أدناهما أولى من العكس، لأنهم كانوا عسكرًا، وكان لهم قبائل تغضب لهم، والمباشر منهم للقتل -وإن كان قليلًا- فكان ردؤهم أهل الشوكة، ولولا ذلك لم يتمكنوا، ولما سار طلحة والزبير إلى البصرة ليقتلوا قتلة عثمان، قام بسبب ذلك حرب قتل فيها خلق.

... ومما يبين ذلك أن معاوية قد أجمع الناس عليه بعد موت علي، وصار أميرًا على جميع المسلمين، ومع هذا فلم يقتل قتلة عثمان الذين

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ... البداية والنهاية لابن كثير 7/239.

كانوا قد بقوا». (1)

... وعلى كل حال فأيًا كان عذر علي رضي الله عنه فالمقصود هنا أنه لا يخالف بقية الصحابة المطالبين بدم عثمان - (- في وجوب الاقتصاص من قتلة عثمان -(- على ما تقدم تصريحه بذلك في إجابته لطلحة والزبير لما طالباه بقتل قتلة عثمان حيث قال(يا إخوتاه، إني لست أجهل ما تعلمون، ولكن كيف أصنع بقوم يملكوننا ولا نملكهم) ، ثم أقسم بعد ذلك وهو الصادق البار: أنه لا يرى إلا ما يرون في هذا الأمر، وهذا مما يدل على إجماع الصحابة رضي الله عنهم على هذه المسألة، والله تعالى أعلم.

... المسألة الثالثة: أن الصحابة رضي الله عنهم الذين اختلفوا في الفتنة لم يتهم بعضهم بعضًا في الدين، وإنما كان يرى كل فريق منهم أن مخالفه وإن كان مخطئًا، فهو مجتهد متأول، يعترف له بالفضل في الإسلام وحسن الصحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم .

... وهذه مسألة مقررة عند أهل العلم أيضًا بما ثبت من ثناء الصحابة بعضهم على بعض -(- أجمعين، فمن ذلك ما جاء عن علي رضي الله عنه بعد معركة الجمل أنه كان يتفقد القتلى فرأى طلحة بن عبيد الله مقتولًا فجعل يمسح التراب عن وجهه ويقول: (رحمة الله

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ... منهاج السنة 4/407-408

عليك أبا محمد يعزّ عليّ أن أراك مجدولًا (1) تحت نجوم السماء، ثم قال: إلى الله أشكو عُجَري وبُجَري (2 ) ) . (3)

... ولما جاءه (ابن جرموز) قاتل الزبير ومعه سيفه لعله يجد عنده حظوة فاستأذن عليه فقال علي رضي الله عنه: (لا تأذنوا له وبشروه بالنار) ، وفي رواية أن عليًا قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: بشر قاتل ابن صفية بالنار) .

... وقال لما رأى سيف الزبير: (طال ما فرج الكرب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ) . (4)

... وبعد انتهاء معركة الجمل ذهب علي إلى عائشة -رضي الله عنهما- فقال: (كيف أنت يا أُمّه ؟ قالت: بخير، قال: يغفر الله لكِ، قالت: ولك) . (5)

... وذكر الطبري أن عليًا -(- بلغه أن رجلين شتما عائشة -رضي الله عنها- فبعث القعقاع بن عمرو فأتى بهما، فقال: اضرب أعناقهما، ثم قال: لأنهكنهما عقوبة، فضربهما مائة مائة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ... أي: مرميًا ملقيً على الأرض قتيلًا: النهاية لابن الاثير 1/248.

(2) ... أي: همومي وأحزاني، النهاية لابن الأثير 3/185.

(3) ... البداية والنهاية لابن كثير 7/258.

(4) ... ذكر هذه الروايات ابن كثير في البداية والنهاية 7/260.

(5) ... أورده الطبري في تأريخه 4/534.

وأخرجهما من ثيابهما. (1)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت