فهرس الكتاب

الصفحة 3892 من 4557

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ... أورده الطبري في تاريخه 3/378.

... وأما طعنه في خالد بقتله بني جذيمة وبراءة الرسول صلى الله عليه وسلم من فعله.

... فجوابه: أن خالدًا قتلهم متأولًا وذلك أنه لما دعاهم إلى الإسلام قالوا: صبأنا صبأنا، ومعنى: صبأنا: أي انتقلنا من دين إلى دين، وقد كانت قريش تطلق على من أسلم أنه صابئ على سبيل الذم (1) ، فلم يقبل خالد منهم ذلك حيث لم يصرحوا بالإسلام، في حين أن بعض من كان معه من الصحابة كابن عمر وغيره أنكروا عليه، لأنهم عرفوا أنهم أرادوا الإسلام، ولذا قال ابن عمر راوي الحديث (فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا) (2) وقد كان خالد متأولًا في قلتهم، غير مذموم بفعله، وإن كان مخطئًا فيه.

... قال الخطابي: «يحتمل أن يكون خالد نقم عليهم العدول عن لفظ الإسلام، لأنه فهم عنهم أن ذلك وقع على سبيل الأنفة، ولم ينقادوا إلى الدين فقتلهم متأولًا» . (3)

... وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض حديثه عن هذه الحادثة: «فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فقالوا: صبأنا صبأنا، فلم يقبل ذلك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ... انظر: فتح الباري 8/57.

(2) ... أخرجه البخاري في: (كتاب المغازي، باب بعث النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد ... إلى جذيمة) ، فتح الباري 8/56-57، ح4339.

(3) ... فتح الباري لابن حجر 8/57.

منهم، وقال: إن هذا ليس بإسلام، فقتلهم، فأنكر ذلك عليه من معه من أعيان الصحابة: كسالم مولى أبي حذيفة، وعبد الله بن عمر، وغيرهما، ولما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه إلى السماء وقال: (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد) لأنه خاف أن يطالبه الله بما جرى عليهم من العدوان...

... ومع هذا ف النبي صلى الله عليه وسلم لم يعزل خالدًا عن الإمارة، بل مازال يؤمرُه ويقدمه، لأن الأمير إذا جرى منه خطأ أو ذنب أمر بالرجوع عن ذلك، وأُقرّ على ولايته، ولم يكن خالد معاندًا للنبي (، بل كان مطيعًا له، ولكن لم يكن في الفقه والدين بمنزلة غيره، فخفي عليه حكم هذه القضية».(1)

... وقال ابن حجر في شرح الحديث: «وأما خالد فحمل هذه اللفظة على ظاهرها، لأن قولهم صبأنا أي: خرجنا من دين إلى دين، ولم يكتف خالد بذلك حتى يصرحوا بالإسلام» . (2)

... فهذه أقوال أهل العلم، تدل على أن خالدًا إنما قتل بني جذيمة لظنه أنهم ما أرادوا الإسلام بقولهم (صبأنا) ولم يكن بفعله هذا عاصيًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنما كان مجتهدًا متأولًا، لأن اللفظ مشتبه والاحتمال

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ... منهاج السنة 4/486.

(2) ... فتح الباري 8/57.

الذي ذهب إليه وارد.

... وأما براءة الرسول صلى الله عليه وسلم من فعله فلخشية المؤاخذة به من الله، وهذا لا يوجب الطعن في خالد، فالبراءة من الفعل الخاطئ شيء، وتأثيم صاحبه وذمه شئ آخر، وذلك أن العبد لا يؤاخذ بشيء من الأخطاء سواء في باب الاعتقاد، أو في باب الفروع إلا بعد أن تقام عليه الحجة وتنتفي عنه الموانع التي يعذر بها عند الخطأ، على ماهو مقرر في أصول الاعتقاد عند أهل السنة.

... أما قول الرافضي: فهل لنا أن نتساءل أين هي عدالة الصحابة المزعومة التي يدعونها... الخ كلامه.

... فيقال له: إن عدالة الصحابة ثابتة بالكتاب والسنة، وإجماع الأمة، ولا يتَوَصل أحد إلى القدح فيها إلا بعد إنكار النصوص القاطعة بعدالتهم من الكتاب والسنة، المتضمنة أحسن الثناء عليهم وأبلغه من الله ورسوله، ولذا كان القدح في الصحابة علامة الزنادقة والملاحدة، وقد تقدم فيما مضى من البحث عرض النصوص وأقوال أهل العلم في القطع بعدالة الصحابة، مما يغني عن إعادتها، وإنما أكتفي هنا بما ذكره الإمامان الجليلان أبو زرعة وأحمد -رحمهما الله تعالى- في حكم من طعن في الصحابة وقدح فيهم.

... قال أبو زرعة: (إذا رأيت الرجل يتنقص أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا، ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة) . (1)

... وقال الإمام أحمد: (إذا رأيت الرجل يذكر أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوء، فاتهمه على الإسلام) . (2)

... وهذا الرافضي لم يقتصر على الطعن فقط، بل تعدى إلى ماهو أعظم منه وذلك باتهامه الصحابة بالردة كلهم، إلا القليل منهم.

... يقول: «فالمتمعن في هذه الأحاديث العديدة التي أخرجها علماء أهل السنة في صحاحهم ومسانيدهم، لا يتطرق إليه الشك في أن أكثر الصحابة قد بدلوا، وغيروا، بل ارتدوا على أدبارهم بعده ( إلا القليل، الذي عبر عنه بهَمَل النعم» .(3)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت