فهرس الكتاب

الصفحة 3931 من 4557

4ـ أما قوله عن عثمان وعائشة في أنهما غيّرا في الصلاة فأقول: الصلاة المقصودة هناهي في باب السفر هل تقصر أم تتم وهذا الأمر فيه خلاف بين أهل العلم لمن له أدنى إلمام بالفقه وقد روي الخلاف بين الصحابة أيضًا في ذلك فروي عن عثمان وسعد بن أبي وقاص وابن مسعود وابن عمر وعائشة رضي الله عنهم الإتمام في السفر وهو قول جمهور الصحابة والتابعين بل قد روي عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتم في السفر ويقصر وسأل ابن عباس رجلٌ فقال: كنت أتم الصلاة في السفر فلم يأمره بالإعادة (9) وقد جاءت السنة الدالة على أن القصر رخصة في السفر وليس عزيمة لقوله تعالى { فليس عليكم جناحٌ أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } ( النساء ـ 101) فقد أخرج مسلمٌ في صحيحه عن يعلى بن أمية قال (( قلت لعمر بن الخطاب: ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ـ فقد أمن الناس فقال: عجبتُ مما عجبتَ منه، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك. فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ) ) (10) واحتج الشافعي على عدم الوجوب بأن المسافر إذا دخل في صلاة المقيم صلّى أربعًا بالاتفاق ولو كان فرضه القصر لم يأتم مسافر بمقيم (11) وأما إذا احتج هذا التيجاني بقول ابن مسعود بالحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم عن عبد الرحمن بن زيد قال (( صلّى بنا عثمان بن عفان رضي الله عنه بمنىً أربع ركعات، فقيل ذلك لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه فاسترجع ثم قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين وصليت مع أبي بكر رضي الله عنه ركعتين وصليت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه بمنى ركعتين فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبّلتان ) ) (12) فأما قول ابن مسعود ( فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبِّلتان ) فـ ( من ) هنا للبدلية مثل قوله تعالى { أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة } وهذا يدل على أنه كان يرى الإتمام جائزًا وإلا لما كان له حظ من الأربع ولا من غيرها فإنها تكون فاسدة كلها وإنما استرجع ابن مسعود لما وقع عنده من مخالفة الأولى ويؤيده ما روى أبو داود (( أن ابن مسعود صلى أربعًا فقيل له (( عبت على عثمان ثم صليت أربعًا. فقال: الخلاف شر ) ) (13) (( وفي رواية البيهقي( إني لأكره الخلاف ) ولأحمد من حديث أبي ذر مثل الأول، وهذا يدل على أنه لم يكن يعتقد أن القصر واجب كما قال الحنيفية ووافقهم القاضي اسماعيل من المالكية وهي رواية عن مالك وعن أحمد. قال ابن قدامة: المشهور عن أحمد أنه على الاختيار والقصر عنده أفضل وهو قول جمهور الأصحاب والتابعين )) (14) وأما إذا استدل أيضًا بحديث عائشة رضي الله عنها حينما قالت ( الصلاة أول ما فرضت ركعتين) الحديث، وقول عائشة ( فرضت ) أي قدرت وأدل دليل على تعيين تأويل حديث عائشة هذا كونها كانت تتم في السفر (15) .

5ـ ومن هنا نعلم أن القصر في السفر هو رخصة من الله والإنسان مخير بين الأخذ به أو تركه كسائر الرخص ونعلم أيضًا ضحالة تفكير هذا التيجاني الذي زعم أن الصحابة غيّروا في الصلاة فليت شعري كأن الصحابة غيروا صلاة الصبح فصلّوها أربعا! أو قصروا صلاة المغرب فجعلوها ركعة!!؟ وكأنه لم يكن في يوم من الأيام من أهل السنة وهذا أقرب إلى اعتقادي لأن أي سني يعرف هذه القضية الفقهية يقينًا ويعلم أن الصحابي لم يكن ليخالف فعل الرسول صلى الله عليه وسلم في أمرٍ فيه عزيمة فضلًا عن زوجته.

6ـ ونأتي الآن إلى تأويل عثمان وعائشة رضي الله عنهما فقد ذكر بعض أهل العلم (( أنهما كانا يريان أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما قصر لأنه أخذ بالأيسر على ذلك لأمته فأخذا على أنفسهما بالشدة ) ) (16) ، وعن الزهري قال (( أن عثمان بن عفان أتم الصلاة بمنى من أجل الأعراب، لأنهم كثروا عامئذٍ فصلى بالناس أربعًا ليعلمهم أن الصلاة أربع ) ) (17) وقال ابن حجر في الفتح (( أن سبب إتمام عثمان أنه كان يرى القصر مختصًا بمن كان شاخصًا سائرًا، وأما من أقام في مكان في أثناء سفره فله حكم المقيم فيتم ) ) (18) ثم قال ابن حجر (( ولا مانع عندي أن يكون هذا أصل سبب الإتمام، وليس بمعارض للوجه الذي اخترته بل يقويه من حيث أن حالة الإقامة في أثناء السفر أقرب إلى قياس الإقامة المطلقة عليها بخلاف السائر وهذا ما أدى إليه اجتهاد عثمان ) ) (19) ، (( وأما عائشة فقد جاء عنها سبب الإتمام صريحًا، وهو فيما أخرجه البيهقي من طريق هشام بن عروة عن أبيه( أنها كانت تصلي في السفر أربعًا فقيل لها: لو صليت ركعتين. فقالت: يا ابن أختي إنه لا يشق عليّ ) إسناده صحيح وهو دالٌ على أنها تأولت أن القصر رخصة، وأن الإتمام لمن لا يشق عليه أفضل )) (20)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت