أ مخالفة القصة للقرآن الكريم فمن أصول الشريعة التي قررها الله في كتابه وعلى لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم أن التائب لو بلغت ذنوبه عنان السماء ثم تاب، تاب الله عليه، قال جل شأنه { إنما التوبةُ على الله للذين يعملون السُّوء بجَهالةٍ ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوبُ الله عليهم وكان الله عليمًا حكيمًا، وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تُبتُ الآن ولا الذين َيموتون وهم كفّار أولئك اعتدنا لهم عذابًا أليمًا } النساء 1 ودليل ذلك أيضًا قول الرسول صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر 24 وهو بيان لقوله تعالى { وليست التوبة ...إذا حضر أحدهم الموت قال إني تُبت الآن } فالآية استثنت هذه الحالة فقط وأنها لا تقبل التوبة، وهذا دليل خطاب يدل على ان غير هذه الحالة تقبل فيها التوبة وهو ما قبل الموت، والقصة تؤكد أن ثعلبة تاب توبة نصوحًا فجاء يعرض صدقته على الرسول صلى الله عليه وسلم وأكد توبته مرارًا فجاء أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم لكنهم رفضوا قبول توبته، وأخبروه أن الله لم يقبل توبته وهذا خلاف ما تقدّم من النصوص القاطعة التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا خلفها، والتي تقرر { وهو الذي يقبلُ التّوبةَ عن عباده ويعفو عن السيئات } الشورى 25 ، فإن قيل: أن ثعلبة منافق. قلت: حتى المنافقين فقد فتح الله لهم باب التوبة على مصراعيه قال الشاكر العليم { إنّ المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولنْ تجِد لهم نَصيرًا إلا الذين تابوا وأَصلحوا واعتَصموا بالله وأخْلصوا دينهم لله فأُولئك مع المؤمنين وسوْفَ يُؤْتِ الله المؤمنين أجرًا عظيمًا، ما يفعلُ الله بِعذابكُم إن شكَرْتم وآمنْتُم وكان الله شاكرًا عليمًا } النساء 5 7 ، وقال الغفور الرحيم مخبرًا عن المنافقين { ... فإنْ يَتوبوا يك خيرًا لهم } التوبة 74 ، والقصة تنمّي في قلوب العصاة الذين جهلوا فاقترفوا بعض الذنوب واجترحوا السيئات صفة القنوط واليأس من رحمة الله، تلك الصفة التي لا يحبها الله ورسوله الذي بشّر الناس أنهم لو أتوا إليه بقُراب الأرض خطايا، واستغفروا الله لغفر لهم ولو لم يستغفروا لاستبدلهم الله بأناس يخطئون فيستغفرون فيغفر لهم، قال صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي. يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عَنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أُبالي، يا ابن آدم إنك لو اتيتني بقُراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة 25 وقال صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم 2627.
ب أمر آخر يدحض هذه القصة ويردها، ويزيد في وجوب استبعادها، والذود عن عرض صاحبها ودينه، هو أن ثعلبة بن حاطب رضي الله عنه لا تُعلم له سنة وفاة على الحقيقة، وقد اختلف في سنة وفاته على أقوال عديدة. فأصحاب هذه القصة جعلوه متوفًى في خلافة عثمان رضي الله عنه، وهذا القول مردود من حيث السند لأنه والقصة أتى بإسناد واحد واه! وقيل إنه استشهد في أحد، وقيل إنه استشهد في غزوة خيبر، والقول الثاني ذكره ابن عبد البر وابن حجر. وسواء كان استشهاده في أحد أو خيبر، فالرجل توفي في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم عند بعضهم وهو معارض للقصة القائلة بأنه هلك في خلافة عثمان، وما دام الاحتمال واردًا مع القصة، وهو ضعيف الإسناد لا يعتمد عليه، فإنه يتعين علينا المصير إلى الاحتمال الثاني أو الثالث، إذ لم يذكر غيرهما وهما ينسفان القصة نسفًا، ويقتلعان جذورها. أو التوقف في هذا الصدد إذ لم يتبين لنا ورود خبر صحيح بأحد هذين القولين، أو بهما.
ت إن أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم لا يستطيعون أن يمنعوا أحدًا من عبادة يريد أداءها، وإلا كانوا صادين عن سبيل الله وحاشاهم بل إننا لنعجب من هذا، وأبو بكر رضي الله عنه قد حارب مانعي الزكاة، واعتبرهم مرتدين* عن دين الله تعالى وقال والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه ، فكيف ينسجم قتاله لمانعي الزكاة، مع منعه لمريد اخراج الزكاة من ذلك؟ ثم ألم يكن بإمكان ثعلبة أن يخرج زكاة ماله على فقراء المنطقة التي كان يعيش فيها؟ ولعل هذا هو السر في عدم ذكر التيجاني لبقية القصة لأنها تصطدم مع ادّعاءاته.
ث إنّ المعروف من أحكام الإسلام أنه يعامل الناس على ظواهر أحوالهم وتلك هي كانت معاملة رسول الله صلى الله عليه وسلم للمنافقين، مع معرفته بنفاقهم، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم قد صلّى على عبد الله بن أُبي بن سلول، وأعطاه ثوبه لُيكفّن فيه، عملًا بما كان يظهر من إسلامه، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أنه في الدرك الأسفل من النار، فأين فعلة ثعلبة من هذا كله؟!