-وفي رواية أخرى للبخاري أن من قال إن رسول الله وجع بعض الرجال دون نسبة هذا القول لعمر؛ وفيها أن طائفة من أهل البيت كانت مع عمر في رواية جاء فيها: (لما حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي البيت رجال فقال(:"هلمّوا أكتب لكم كتابًا لا تضلون بعده". فقال بعضهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غلبه الوجع وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله. فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول قربوا يكتب لكم كتابًا لا تضلون بعده، ومنهم من يقول غير ذلك. فلما أكثروا اللغو والاختلاف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قوموا) . (7) [12]
-وفي رواية عند الحاكم في المستدرك: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"توني بدواة وكتف أكتب لكم كتابًا لن تضلوا بعده أبدًا"ثم ولانا قفاه، ثم أقبل علينا فقال:"يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر") . (8) [13]
وهذا يحتمل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب شيئًا من ذلك الكتاب والذي يتضمن استخلاف أبي بكر لا كما تدعي الشيعة.
-وفي رواية"البيهقي"جاءت كلمة هجر بصيغة السؤال:
(قالوا ما شأنه أهجر؟ استفهموه. فذهبوا يفدون عليه. قال:"دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه") . (9) [14]
-وفي رواية له:
(فقال بعض من كان عنده إن نبي الله ليهجر) . (10) [15] وكذا عند الطبري. (11) [16] وعند الإمام أحمد بصيغة (فقالوا ما شأنه أهجر…) (12) [17] .
-وفي مسند الحميدي من حديث ابن عباس (فقال: ائتوني أكتب لكم كتابًا لن تضلوا بعده أبدًا، فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع. فقالوا ما شأنه أهجر استفهموه…) .
-وعند أبي يعلى من غير لفظة (هجر) ولا (وجع) من حديث ابن عباس: (اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه فقال:"ائتوني أكتب لكم كتابًا لا تضلون بعده". فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع. فقال:"دعوني، فما أنا فيه خير مما تسألون عنه". قال أمرهم بثلاث) (13) [18] .
ثالثًا: ما نستخلصه من مجموع هذه الروايات ما يلي:
(1) - الصراط المستقيم ج3 / ص6
(2) - الصوارم المهرقة ص 224
(3) - كشف الغمة ج1/420
(4) - صحيح مسلم 3 /1259. دار إحياء التراث، وصحيح البخاري 5/2146 دار ابن كثير
(5) - صحيح البخاري 3/1111.
3-صحيح البخاري 3/ 1155.
(6) 1- صحيح البخاري 4/ 1612.
(8) - المستدرك على الصحيحين 3/542.
(9) - السنن الكبرى 4/ 433.
(10) - الطبقات الكبرى ج2/ ص242
(11) - التاريخ ج2 / ص228
(12) - مسند الإمام أحمد 1/222
(13) - مسند أبي يعلى 4/ 298
1.قوله في الحديث"هجر رسول الله"-أي هذي- لم تنسب إلى عمر بن الخطاب في أي رواية لا في الصحيحين ولا في غيرهما من كتب أهل السنة كما يدعي علماء الشيعة، وكما يدعي الكاتب الأمين في نقله حيث يقول: (فوجدتها مثبتة في الصحيحين) . نعم هي مثبتة في الصحيحين لكن لا بلفظ هجر عن سيدنا عمر الذي هو محل الكلام، فماذا يسمى هذا في عرف أهل العلم؟ وإنما نسبت لبعض الرجال الحاضرين كما في رواية الشيخين. والأصح كما يقول الإمام النووي والسيوطي والقاضي عياض رواية (أهجر) بالهمز أي بالاستفهام اعتراضًا على من رفض الكتابة للرسول (، أي هل يمكن أن يهذي حتى تمنعوا عن أن تحضروا دواة ليكتب لنا الكتاب؟
وقال الإمام النووي: (وإن صحت الروايات الأخرى كانت خطأ من قائلها، قالها بغير تحقيق بل لما أصابه من الحيرة والدهشة لعظيم ما شاهده من النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الحال الدالة على وفاته وعظيم المصاب وخوف الفتن والضلال بعده) اهـ (1) [19]
ولك أن تقارن بين موقف أهل السنة من هذه الروايات ومحاولة حملها على معانٍ تليق بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وموقف الشيعة الذين شنعوا على الصحابة وطعنوا عليهم وقوّلوهم ما لم يثبت أنهم قالوه.
2.قول عمر"إنه وجع"عند البخاري ومسلم، معناه أن الرسول صلى الله عليه وسلم تعب والكتاب الذي سيكتبه سيطول ويؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويطيل مرضه ولا نريد أن نؤذي رسول الله، فسيكتبه عندما يصح من وعكته، فإن الله لا يقبضه قبل إكمال الرسالة. وعمر لم يكن يتوهم وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بدليل عدم تصديقه لخبر وفاته عندما أعلن عنها، فعدم كتابة ذلك كان شفقة برسول الله صلى الله عليه وسلم لئلا يتأذى لأن الكتابة ستطول. ولا يخفى أن إثبات لفظ الوجع من عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليس فيه منقصة له عليه الصلاة والسلام.
3.إن رفض الكتابة لم يكن من عمر وحده فالروايات كما مر ذكرت"أهل البيت"و"بعض القوم". وهو شامل لكل من حضر في البيت كما ذكر في الصحيحين وغيره وحمله على عمر دون غيره تحكم ظاهر.