فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
واضح من سياق الحديث ان عمرا هو القائل ( غلب عليه الوجع ) فاحتمال صدور هذا القول ممن قرب دخوله في الإسلام أو من منافقين أو مشككين ساقط . على أن البخاري و بعض من نقلوا هذا الحديث قد تصرفوا في نقله تهذيبا للعبارة و تخفيفا من القدح , و الدليل على ذلك ما أخرجه أبو بكر الجوهري في كتاب السقيفة ( ... إلى أن قال: فقال عمر كلمة معناها ان الوجع قد غلب على رسول الله ! ) إلى أن وصل إلى ( أكثروا اللغط و اللغو و الإختلاف غضب صلى الله عليه و آله فقال: قوموا ) !! , لاحظ غضب رسول الله و طردهم و بهذا يبطل احتمالكم بعدم الوجوب لأنه لم يغضب , و يدل على تصرفهم فيه ( أعني الحديث ) ان المحدثين إذ لم يصرحوا باسم المعارض فقد نقلوا الحادثة بعين لفظها , فقد روى البخاري في باب جوائز الوفد من كتاب الجهاد و السير من صحيحه ص 118 ج 2 عن ابن عباس أنه قال: يوم الخميس و ما يوم الخميس ثم بكى حتى خضب دمعه الحصباء فقال: اشتد برسول الله وجعه يوم الخميس فقال: إئتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا فتنازعوا و لا ينبغي عند نبي تنازع فقالوا هجر رسول الله , قال ( ص ) دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعونّي إليه , و أوصى عند موته بثلاث اخرجوا المشركين من جزيرة العرب و اجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم ( قال ) و نسيت الثالثة . فما هي الثالثة ؟
و أخرجه مسلم في آخر كتاب الوصية من صحيحه و أحمد من حديث ابن عباس في مسنده ص 222 ج 1 .
إذن يتضح لنا ان اللفظة الحقيقية التي صدرت من عمر كانت ( هجر ) و لكنها لُطِفَت و حُسِنَت !!
و كما ذكرنا آنفا كون عمر هو المعارض و بوضوح لا لبس فيه و لا شك , يُسقط تأويلات و احتمالات و محاولات أصحابكم في تلبيسها من أرادوا تلبيسهم إياها .
بقي أن نطرح بعض التساؤلات و الملاحظات ,,
هل رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعلم بمكانة كتاب الله منهم ؟ طبعا يعلم , و لو كان وجود القرآن الكريم موجبا للأمن من الضلال لما وقع في هذه الأمة ما وقع من التفرق و الضلال , و كيف يُغنيهم كتاب الله و هو صامت و مع اضطرار الأمة للسنة المقدسة ؟ كما أن الإستنباط من القرآن غير مقدور لكل شخص كما هو ظاهر , و لو كان الكتاب يُغني عن قول الرسول و بيانه لما أمره الله ببيانه للناس ( و أنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما أُنزل إليهم ) فما هو المسوغ ليقول عمر حسبنا كتاب الله ؟ و هل غاب عنهم ( و ما آتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا ) و ( ما ضلّ صاحبكمك و ما غوى و ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى ) و ( إنه لقول رسول كريم و ما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون و لا بقول كاهن قليلا ما تذكرون تنزيل من رب العالمين ) و ( إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين و ما صاحبكم بمجنون ) و الكثير من الآيات الدالة على عصمته و تأييده بالوحي , لا لم يخفى عليهم ذلك و لكن كما ذكرنا سابقا من أم عمر علم مراد النبي من توثيق العهد بالخلافة و تأكيد النص على علي و على الأئمة من ولده من بعده فصده عن ذلك !! و لو جمعنا بين قوله ( ص ) إئتوني أكتب لكم كتابا لن تضلوا و بين قوله في حديث الثقلين ( اني تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله و عترتي أهل بيتي ) لعلمت ان المرمى و المراد في الحديثين واحد .
و عدل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك لأن تلك الكلمة التي فاجأوه بها اجبرته على العدول لأنه لم يبق بعدها أثر لكتابة الكتاب سوى الإختلاف و الفتنة , فإذا كانوا قد اختلفوا أمامه و اختصموا نصب عينيه فماذا سيفعلون بعد رحيله لو أصر على كتابة الكتاب ؟ لكانوا أصروا على ما قالوا و لأوغلوا و أشياعهم في إثبات هجره ( و العياذ بالله ) , و لكيلا يُفتح باب للطعن في مقام النبوة ( و العياذ بالله ) فترك الكتاب أولى , فما دام قد طعنوا في كاتبه فسيطعنون فيما سيأتي فيه , و طبعا عمر هو من بذر بذرة الطعن و ماكان للمنافقين مجالا للطعن لولا قدحه في موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال هجر و لو كتبه لألفيتك يا اماراتي تصول و تجول لتثبت أنه هجر ( بالله نستجير ) .
و أما من قال ( هذا من قوة فقهه و دقيق نظره ) فقد بيّنا لكم دقيق فقه , و أما بعد نظره فهو ما ترونه من اختلاف الأمة و تفرقها , الرسول صلى الله عليه وسلم ص ) قال ( أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا ) و عمر قال ( حسبنا كتاب الله ) و ما كُتِب َ الكتاب فضلّت الأمة و تفرقت , إلا إذا كنتم ترون ان الأمة متفقة و متوحدة فذاك شيء آخر ,