فهرس الكتاب

الصفحة 4057 من 4557

وأجيب عن (9) بأنه مسلّم وغايته النهي عن التقليد على غير بصيرة. وعن (17) بأن كلام أحمد لأبي داوود وهو المجمع على اجتهاده، والتقليد في حق المجتهد غير جائز بالاتفاق. وعن (22) أني راجعت كلام ابن حزم في الإحكام فإن صح نقله عن القاضي الباقلاني فلا يسلم للقاضي رحمه الله لأنه خلاف قول الجمهور. وربما كان محمولًا على أن الأفضل تقليد الحي لا تقليد المجتهد الميت، لا أن تقليد الميت ممنوع. وعن (25) بأن ابن عربي هو آخر من يحق له الكلام في النهي عن التقليد لأن طريقته إنما هي على خلاف طريقة أهل السنة ويكفيه اعتقاده بوحدة الوجود مخرجًا له عن أهل السنة، فهو يشكك في حجية العقل، ويجعل الكشف حاكمًا على ما ثبت بالعقل؛ ولأنه قد صرح في غير موضع من رسائله بأن على النظار والمتكلمين أن يسلموا لأرباب الكشوف والشهود، والكشف عند أهل السنة ليس سببًا من أسباب العلم الذي تقوم به الحجة على الغير، ولئن سلم كونه سببًا للعلم فلا يعدو كونه سببًا للعلم الخاص إذا كان على موافقًا للشرع والعقل. ولك أن تراجع قوله: (وطريق الكشف والشهود لا تحتمل المجادلة والرد على قائله) ، ويقول عن أهل النظر: (فما وافق نظرهم وعلمهم صدقوا به، وما لم يوافق نظرهم وعلمهم ردوه وأنكروه، وقالوا هذا باطل لمخالفة دليلنا... فهلا سلّم هذا القول لصاحبه ولا يلزمه التصديق، فكان يجني ثمرة التسليم) اهـ (1) [4]

فيقال: أليس الأمر بالتسليم وعدم النظر في قول أرباب الكشوف دعوة لتقليدهم. فتأمل. والحق أن ابن عربي الظاهري في فقهه وإن حرم التقليد فليس هو ممن يعتد بخلافهم في الفقه لما بينا من ابتداعه ورمي المشايخ له بالتشيع والقول بوحدة الوجود على خلاف أصول اهل السنة، ولأنه ليس فقيهًا له أقوال منثورة في كتب الفقه كبقية الفقهاء.

هذا ما رأينا أن نرد به على ما احتج به خليفات على حرمة التقليد، وما تركنا الكلام فيه فإما أنه لا يفيد للاحتجاج أو أن الإجابة عنه وقعت في الإجابة عن غيره، والله تعالى الموفق.

قوله تحت عنوان"من نقلد؟":"بعد التغاضي عن أقوال الأئمة في النهي عن تقليدهم، وعلى فرض وجود دليل، لكن من نقلد منهم؟ أبا حنيفة أم مالكًا أم الشافعيّ أم أحمد؟ إن المرجح مفقود، والترجيح بلا مرجح فاسد عقلًا وشرعًا. وإذا قلدنا الشافعي مثلًا ألا يعني أننا وضعنا على الآخرين علامة استفهام؟ والملاحظ أن مذهب الأشعري الفقهي محل خلاف، فالحنفية يقولون كان حنفيًا، والمالكية يجعلونه مالكيًا، وكذا الشافعية!". اهـ

أجيب بأن الترجح بلا مرجح محال عقلًا، ومعناه لا رجحان لأحد الجائزات المتساوية المتضادة عند القابل لها بلا مرجح، ولو كانت الحال كذلك في المذاهب الأربعة بالنسبة للإنسان لتوقف عن أن يأخذ بأي منها إلى يوم القيامة، لأن تصور أخذه من أيها مع تساويها عنده من كل وجه هو محال عقلًا. والدليل على فساد قولك أنا نرى في الشاهد أن الناس تتبع لمذاهب دون أخرى أو تأخذ من غير واحد منها مما يدل على وجود المرجح. ومن المرجحات لذلك وجود المفتين في كل منطقة، وثقة المستفتي بالمفتي، وقوة الدليل في مذهب، وضعف الدليل في آخر، واشتهار مذهب بعينه دون ما عداه في بعض الأمصار فينشأ الناس من حداثة سنهم على اتباعه والثقة به، وشهرة إمام مذهب ما في زمان ما بسعة علمه وورعه، إلخ من المرجحات التي تتدافع إلى الذهن عند التفكير في ما يحمل الناس على اعتناق مذهب دون آخر.

قوله: (ألا يعني أننا وضعنا على الآخرين علامة استفهام؟) . قلنا: ما معنى علامة الاستفهام؟ وإن المجتهد مأمور بالنظر، ويبعد أن يصل جميع النظار إلى نتيجة واحدة، لاختلاف جهات النظر، واختلاف النصوص المنظور فيها، وغير ذلك مما قد ينشأ عنه الاختلاف. فما معنى علامة الاستفهام تلك التي ستوضع على المجتهد إذا حكم في مسألة. إن غاية ما في الأمر أنه قد يكون لم يصب الحق. فيكون له أجر بنص الحديث. وهنا يأتي دور علماء المذاهب في تنقيح الأقوال السابقة ونقدها. ثم أليس عند الشيعة أن بعض الناس يقلدون بعض المراجع عندهم، وآخرون يقلدون مرجعًا غيره، فتعدد المراجع موجود عندهم أيضًا. فلماذا الاستهجان على أهل السنة أن البعض يقلد أبا حنيفة وآخرين يقلدون الشافعي وهكذا.

أما قوله بكون مذهب الأشعري الفقهي محل خلاف، فيصلح أن يلحق بكتب النوادر والملح، لأنه يشبه الاستدلال على فساد الصلاة مع الحدث بالتشكيك في الجوهر الفرد. فلا مدخلية للكلام على مذهب الأشعري الفقهي ههنا.

قوله:"كيف نقلدهم في ديننا وقد ماتوا قبل أكثر من ألف ومائتي سنة؟ إن مسائلهم المدونة لا تكفي والزمن في تطور مستمر، وكل يوم يستجد شيء جديد، فكيف سيجيبونا عن المسائل المستحدثة؟!". اهـ

(1) - الرسائل ص 33 / دار إحياء التراث

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت