ومع ذلك فإنا نجيب عن (1) بأن قول أبي حنيفة خاص بالمتأهلين للاجتهاد. ويحتمل أن يؤول إن أريد به العامة على المعرفة بالجملة، أي بأن يثق السائل بأن مفتيه متفقه في الدين لا يأتي بشيء من عنده بل من دليل معتبر. وأجيب عن (2) بكلام ابن عبد البر وبأن الشوكاني قسم الناس إلى مجتهد ومقلد، وعرف المقلد بأنه الذي يقبل القول ولا يطالب بحجة فإن كان يعني أن المقلد بهذا التعريف عاص فيلزم منه وقوع السواد الأعظم من المسلمين في الحرام وهو خطأ كبير، وإلا وجب حمل كلامه على المجتهدين لا العامة. وأجيب عن (3) بأنه لا دلالة فيه على النهي عن التقليد، بل هو دال على تواضعه وورعه رحمه الله تعالى. وعن (4) بما أجبنا به عن (3) ، وبأنه يفتي أناسًا فلو كان ينهى الناس عن التقليد لنهاهم عن سؤاله. وأجيب عن (5) ، و (6) بمثله فلا يلزم من منهما وجوب ترك التقليد، وبأن قوله لا تكتب كل ما تسمعه نهي عن كتابة الكل لا البعض، فيؤخذ منه جواز كتابة البعض، فإن كان خليفات قد فهم من الكتابة التقليد، فهذه إجازة لنوع التقليد. على أننا لا نسلم ذلك ونرى أن نهيه ( عن الكتابة عنه من شدة ورعه، لأنه يعلم أنه بشر يخطئ ويصيب، فكلما قل النقل عنه قل احتمال أن يتبعه الناس في مسائل قد يكون فيها مخطئًا، وبمثله نجيب عن ما ورد في(10) ، إذ قوله ليتني ... إلخ ليس ندمًا على ما فعل، واعترافًا منه بأنه أمضى ثمانين حولًا يجتهد ويفتي ثم عند موته أدرك كم كان متجرئًا على الله ولا بد له من الرجوع عن سيّء ما كان يفعل ليلقى الله تائبًا من هذا الذنب العظيم، فإن هذا ومثله مما تنسبه السلفية للأشعري والغزالي والرازي وغيرهم من علمائنا، أقول إن هذا مما ترفضه غرائز البهائم لا عقول البشر. ويؤخذ من كلامه حثه لطلابه على الاجتهاد وعلى متابعته والنظر في كلامه وعرضه على الكتاب والسنة لتنقيحه ونقده. ويؤخذ منه جواز الأخذ عنه فيما وافق الكتاب والسنة. لا يقال ما أورده الشوكاني في القول المفيد من أن الأخذ منه على وفق الكتاب والسنة ليس أخذًا منه بل منهما؛ لأنا نقول: الكتاب والسنة ليسا كتابًا مفتوحًا يتناول المار منهما ما يحتاج ويمضي، بل المراد ما قيّسه الإمام من الفروع على أصول مقررة في الشريعة مما يخفى على العامة وكثير من الحذاق، وإلا لو كان حكمًا متقررًا في الشرع ومنصوصًا عليه كيف جاز أن نسمي ما أخذ عن مالك وغيره من الأئمة فقهًا، وهذا معلوم من تعريف الفقه بأنه العلم بالأحكام الشرعية العملية من طريق الاجتهاد لا النص القاطع. وأجيب عن (7) بكفاية ما مضى بحثه من توضيح محامل النهي. وعن (8) بعدم دلالته على النهي. وبأنّ مبنى الاجتهاد مظنة الحق فيما حكم به الحاكم، كما هو مبين في أصول الفقه. ولو كان المستدل بهذا ممن يقرأ ويفهم لعلم أنه لا عيب في عدم قطع المجتهد بصحة اجتهاده، ولا عيب في ظنية أدلته. بل العيب كل العيب فيمن يبني أصلًا من أصول الدين على أدلة غاية أمرها أنها ظنية بل هي وهمية، كما هو حالكم في الإمامة والإمام الثاني عشر كما سنذكره في موضعه. وإن كان الكاتب يعيب على أهل السنة ابتناء فقهم على غلبة الظن، فليأتنا بفقه الشيعة المنبني على اليقين! إن فقه الشيعة مبني على الظن أيضًا بنصهم وبدليل اختلاف مجتهديهم ومراجعهم، وانظر لما يقوله محدث الشيعة الكبير الحر العاملي عن مراجعهم ومجتهديهم، يقول:"تراهم يختلفون في المسألة الواحدة على عشرين قولًا أو ثلاثين أو أزيد، بل لو شئت أقول: لم تبق مسألة فرعية لم يختلفوا فيها أو في بعض متعلقاتها". اهـ (1) [2]
وهذه شهادة من أكابر الأئمة عندهم وهو علم الهدى الشريف المرتضى يقول:"فإن معظم الفقه وجمهوره بل جميعه لا يخلو مستنده ممن يذهب مذهب الواقفة ... وإلى غلاة وخطابية ومخمسة وأصحاب حلول كفلان وفلان ومن لا يحصى كثرة، وإلى قمي مشبه مجبر، وإن القمّيّين كلهم من غير استثناء لأحد منهم إلا أبا جعفر بن بابويه رحمة الله عليه بالأمس كانوا مشبهة مجبرة وكتبهم وتصانيفهم تشهد بذلك وتنطق به، فليت شعري أي رواية تخلص وتسلم من أن يكون في أصلها وفرعها واقف أو غال أو قمي مشبه مجبر". اهـ (2) [3]
واعلم أن الكاتب يشير بكلامه إلى أن أخذهم للأحكام إنما هو عن أئمة معصومين لا يرقى إليهم الشك؛ ونسي أن ذلك منقول عنهم بأخبار آحاد لا تفيد سوى الظن. هذا إن سلم أن لهم منهجًا في الحديث. فتأمل.
(1) - الوافي ص9.
(2) - رسائل المرتضى ج3/310