فهرس الكتاب

الصفحة 4086 من 4557

ثم إن مثل هذا المنهج في تناول تاريخ هذه الفترة يعطي لأعداء ديننا من مستشرقين وملاحدة ومن سار على نهجهم ، الحجج التي يطعنون بها في الإسلام ، و بأنه كان ضعيفًا ، وأن دخول الناس فيه كان شكليًا وكان رهبة لا رغبة ولا عن اعتقاد .

فالباحث لا ينكر وجود المنافقين في المجتمع الإسلامي ، داخل المدينة و خارجها كما هو مبسوط في القرآن الكريم ، و خاصة سورة المنافقين و التوبة حتى إنه عرفت الأخيرة بالفاضحة أو الكاشفة ، هم الذين نزل فيهم قول الله تعالى { و ممن حولكم من الأعراب منافقون و من أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم …}

التوبة/101

حيث إن هؤلاء المنافقين كانوا يستغلون أي ظرف يرونه مواتيًا لإثارة الفتن ، فقد خرج الأسود العنسي ، على الرسول صلى الله عليه وسلم بعد حجة الوداع في العام العاشر الهجري ، كما جاء في الصحيح . انظر: البخاري مع الفتح (7/693 ) ، ولم يعرف أنه كان مسلمًا حتى يقال إنه ارتد عن الإسلام ، و كذلك مسيلمة الكذاب ، الذي قال: إن جعل لي محمد الأمر من بعده تبعته . البخاري مع الفتح (7/690 ) ، و كذلك سجاح التميمية ، كانت نصرانية و لم تدخل الإسلام أصلًا . انظر: البداية و النهاية (6/320 ) .

أما أحداث هذه الفتنة التي وقعت فإنها لم تحظ من قبل الباحثين أو المؤرخين المحدثين بدراسة منفردة ، تلقي الضوء ساطعًا على موقف الجماعة الإسلامية التي ثبتت في هذه الفتنة ، و دور قادتها و أفرادها في قمعها ، و التمسك بدينهم حتى كانوا كالقابضين على الجمر .

و كان من حقائق هذه الفتنة أنها لم تكن شاملة لكل الناس ، بل إن هناك قبائل و قادات و جماعات وأفراد تمسكوا بدينهم في كل منطقة من المناطق التي ظهرت فيها الردة ، و إذا أريد لهذه الحقيقة أن تكون جلية فلابد من الاعتماد على المصادر الأساسية التي اهتمت بهذه الفتنة ، أما المراجع الحديثة فقد تناولت هذه الحركة ، لكن تناولها كان فيه بعض القصور و شيء من عدم الدقة ، و الأمثلة على ذلك كثيرة أكتفي بإيراد بعض الآراء ، و التي سأتناول الرد عليها أثناء سرد أحداث الردة في بعض المناطق ، و أنا حين أذكر هذه الأمثلة ليس هدفي تجريح أو انتقاص مؤلفيها ، و لكنني أشعر بالواجب علي أن أذكر و أورد آراء هؤلاء الأساتذة ، من باب قوله تعالى { إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات و الهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم اللاعنون ، إلا الذين تابوا و أصلحوا و بينوا فأولئك أتوب عليهم و أنا التواب الرحيم }

البقرة/159-160

، و أعتقد أن ما أورده هؤلاء الأساتذة لا يعدوا أن يكون اجتهادًا يحتمل الخطأ و الصواب ، و إذا وقع الأول فلا أشك لحظة واحدة في حسن قصدهم ، و لكن أيًا كانت الحقيقة فهدفي هو الوصول إليها عبر مناقشة علمية أمينة .

و سأحاول في السطور التالية إن شاء الله تسليط الأضواء ساطعة بقدر الإمكان لرؤية الحقيقة الكاملة والشاملة قدر المستطاع ، و في ذلك رد كاف على من كتب في هذا الموضوع دون أن يمحص أو يغوص في بطون المصادر ، وكذلك هو رد على المستشرقين حين يتهمون المسلمين الفاتحين بأنهم كانوا مجبرين على الجهاد وأن من جاهد معهم كان من المرتدين .

إن أول حقيقة يستخلصها القارئ هي أنني لم أجد ما يدل على أن القبائل و الزعماء و الأفراد المسلمين قد ارتدوا جميعًا ، كما ذكر أولئك النفر .

أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه: ( لما توفي رسول الله و كان أبو بكر رضي الله عنه ، كفر من كفر من العرب ، فقال عمر رضي الله عنه: كيف تقاتل الناس و قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فمن قالها فقد عصم مني ماله و نفسه إلا بحقه و حسابه على الله ) فقال: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة و الزكاة ، فإن الزكاة حق المال والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله، لقاتلتهم على منعها . قال عمر رضي الله عنه: فوالله ما هو إلا أن شرح الله صدر أبي بكر رضي الله عنه فعرفت أنه الحق ) . البخاري مع الفتح (3/308) .

لم يقتصر انتشار الإسلام على أهل المدينة فحسب ، بل قام بعض المسلمين من خارج مكة بتبليغ الدعوة إلى قبائلهم ، كما فعل أبو ذر الغفاري والطفيل بن عمر الدوسي رضي الله عنهما ، ولما قامت دولة الإسلام بالمدينة اهتم الرسول صلى الله عليه وسلم بإرسال الدعاة إلى البوادي لدعوة القبائل رغم الأخطار التي كانت تحدق بالوفود ، كما حدث في الرجيع و بئر معونة ، و لما كان عام صلح الحديبية وجه الرسول صلى الله عليه وسلم الرسائل إلى ملوك وأمراء العالم في ذلك الوقت ، ثم كان فتح مكة عام ( 8هـ ) ، و تبعه دخول الطائف عام ( 9هـ ) ، و قد شكل هذا المحور مركز الثقل الإسلامي في حروب الردة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت