فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
تقول الكاتبة الشهيرة"آتي رود"- في مقالة نُشِرت عام 1901م -: لأن يشتغل بناتنا في البيوت خوادم أو كالخوادم ، خير وأخفّ بلاءً من اشتغالهن في المعامل حيث تُصبح البنت ملوثة بأدرانٍ تَذهَب برونق حياتها إلى الأبد ، ألا ليت بلادنا كبلاد المسلمين ، فيها الحِشمة والعفاف والطهارة … نعم ! إنه لَعَارٌ على بلاد الإنجليز أن تجعل بناتها مثَلًا للرذائل بكثرة مخالطة الرجال ، فما بالنا لا نسعى وراء ما يجعل البنت تعمل بما يُوافق فطرتها الطبيعية من القيام في البيت ، وترك أعمال الرجال للرجال سلامةً لِشَرَفِها . اهـ .
وقد ذَكَرَ الدكتور مصطفى السباعي - رحمه الله - أنه كان في رحلة علمية من ميناء"دوفر"إلى ميناء"أوستن"فالْتَقَى فتاة إيطالية تَدْرس الحقوق في جامعة أكسفورد وتحدّث مع تلك الفتاة عن المرأة المسلمة وحقوقها ، وكيف تعيش . قالت الفتاة: إنني أغبط المرأة المسلمة ، وأتمنّى أن لو كنت مولودة في بلادكم .
ولما قام إمبراطور ألمانيا"غليوم"بزيارة لِتركيا أحبّ أعضاء جمعية الاتحاد والتّرقي التركية أن يُظهروا له تمدّنهم ! فأخرجوا بعض بنات المدارس وهُنّ متبرجات لاستقباله ، واستغرب الإمبراطور ، وقال للمسؤولين: إني كنت آمل أن أشاهد في تركيا الحشمة والحجاب بحكم دينكم الإسلامي ، وإذا بي أشاهد التبرج الذي نشكو منه في أوربا ، ويقودنا إلى ضياع الأسرة ، وخراب الأوطان ، وتشريد الأطفال !!
أقول: وها نحن نُدعى لخوض غمار تجربة فاشلة ! بحجة أن الحجاب غير لائق بعصرنا ، وأنه مُنفِّر !
وإظهار المرأة لوجهها فيه فتنة له ولغيرها ، فإنها إذا كانت جميلة طاردتها العيون ، وإن كانت غير ذلك احتُقِرت وازدُريتْ ، وفي كلا لحالتين هذا الفِعل له أثر نفسي بالغ على المرأة .
وليس كونه فتنة في بلاد المسلمين فحسب بل حتى في بلاد الحضارة المادية - بلاد التفسّخ والعُري - فقد نَقَلتْ لنا وسائل الاتصال أن شابًا يعيش في بلاد الغرب رأى فتاة فاتنة ، فما زال يُلاحقها ويُراودها عن نفسها وهي تتمنّع ، فما كان منه إلا أن ألقى مادة حارقة ( ماء النار ) على وجهها فشوّهه !
وأما كون الحجاب يُنفِّر أو أن تركه من باب الأيسر ، فإن هذا سوف يَفتح بابًا عظيما من الشرّ .
فليس ثمّ ضابط للتنفير ، ولا ضابط للتيسير في ظل هذا القول .
فقد يأتي من يقول: لباس الحشمة ( اللباس الساتر ) مُنفِّر ، وتركه أخذ بالأيسر خاصة في المدارس والكليات وأماكن العمل ، كما قال الدكتور !
ونحن نرى اليوم دعوة في دول العُريّ بل دعوات لِنَبذِ الاختلاط ، وهم الذين كانوا بالأمس يُنادون بضرورة الاختلاط لكسر الحواجز التي بين الجنسين ! ولإزالة رغبة كل طرف بالآخَر !
فلما ذاقوا ويلات هذا الاختلاط ، واكتووا بِنارِه صرخوا ودَعوا إلى ضرورة الفصل بين الجنسين حتى في أمريكا ! فضلا عن غيرها !
وأما معرفة المرأة فلا مصلحة فيها ، أعني معرفة شخصها وعينها ، وإنما المصلحة أن تُعرف المحجّبة أنها حُرّة عفيفة فلا يَتعرّض لها أحد بسوء .
قال تعالى: (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ)
قال ابن جُزي الكلبي في التفسير: أي ذلك أقرب إلى أن يُعرف الحرائر من الإماء ، فإذا عُرِف أن المرأة حُرة لم تُعارض بما تُعارض به الأمَة ، وليس المعنى أن تُعرف المرأة حتى يُعلم من هي ، إنما المراد أن يُفرّق بينها وبين الأمة ، لأنه كان بالمدينة إماء يعرفن بالسوء ، وربما تعرض لهن السفهاء . اهـ .
خامسًا: قوله: ( فإذا كان صوت المرأة ليس عورة في الكلام الطبيعي ، فلماذا يكون عورة إذا أنشدت قصيدة أو أنشودة في الفضيلة والجهاد ، والدعوة إلى الإسلام والخير أمام الرجال في احتفال عام على خشبة المسرح أو بدون حضور الرجال ، إذا كانت في كل ذلك ملتزمة بضوابط الحجاب الإسلامي ، وعدم الخضوع بالقول والتصنع في إغراء الرجال )
أما صوت المرأة فالصحيح أنه ليس عورة ، ولكن ليس معنى هذا أن تتغنّى أمام الرِّجال ، ولا أن تَخطُب !
ولما كان صوت المرأة قد يَتضمّن الفتنة لبعض الرِّجال ، أُمِرتْ المرأة أن تُصفِّق في الصلاة ، وأن لا تقول: سبحان الله ، مع كونه من الأذكار ، وليس من الأناشيد ولا التأوّه !
وارتُكِبت أخف المفسدتين ، ودُفِع أعظم الضررين بأصغرهما ، وذلك أن تكلّم المرأة قد يتضمّن مفسدة وفتنة ، والتصفيق منهي عنه ، فارتُكب المنهي عنه لأنه أقل في الفتنة ، دفعا للفتنة ، ودرءًا للمفسدة .
قال عليه الصلاة والسلام: التسبيح للرجال ، والتصفيق للنساء . رواه البخاري ومسلم .
فكيف يُقال بعد ذلك بجواز إنشاد المرأة أمام الرِّجال ، وظهورها على المسارح ، وخلع جلباب الحياء ، ونبذ الأخلاق الفاضلة ؟
أما لو كان هذا جائزًا لأذِن فيه النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو عليه الصلاة والسلام لم يأذن به للنساء لا في جهاد ولا في غيره ، وقد أذِن للرِّجال بالإنشاد والحداء في الجهاد والسَّفر ، كما في الصحيحين .