فهرس الكتاب

الصفحة 4489 من 4557

كانت المرأة في المجتمع اليوناني في أول عهده بالحضارة محصنة وعفيفة لا تغادر البيت، وتقوم فيه بكل ما يحتاج إليه من رعاية، وكانت محرومة من الثقافة لا تسهم في الحياة العامة بقليل ولا كثير، وكانت محتقرة حتى سموها رجسًا من عمل الشيطان، وكان الحجاب شائعًا عندهم في البيوتات العالية، أما من الوجهة القانونية فقد كانت المرأة عندهم كسقط المتاع، تباع وتشترى بالأسواق، وهي مسلوبة الحرية والمكانة في كل ما يرجع إلى حقوقها المدنية، ولم يعطوها حقًا في الميراث، وأبقوها طيلة حياتها خاضعة لسلطة الرجل، ووكلوا إليه أمر رزقها، فهو يستطيع أن يفرض عليها من يشاء زوجًا، وعهدوا إليه بالإشراف عليها في إدارة أموالها، فهي لا تستطيع أن تبرم عقدًا دون موافقته، وجعلوا للرجل الحق المطلق في فصل عرى الزوجية، بينما لم يمنحوا للمرأة حق طلب الطلاق إلا في حالات استثنائية، بل وضعوا العراقيل في سبيل الوصول إلى هذا الحق، ومن ذلك أن المرأة إذا أرادت أن تذهب إلى المحكمة لطلب الطلاق، تربص بها الرجل في الطريق فأسرها وأعادها قسرًا إلى البيت.

أما في (إسبارطة) فقد توسعوا في إعطائها شيئًا من الحقوق المدنية، فأعطوها شيئًا من الحق في الإرث والبائنة (الدوطة) وأهلية التعامل، وما كان ذلك عن سماحة منهم واعتراف بأهلية المرأة، وإنما كان لوضع المدينة الحربي حيث كان أهلها في حرب وقتال، فكان الرجال يشتغلون بالحرب دائمًا، ويتركون التصرف في حال غيبتهم للنساء ومن هنا كانت المرأة أكثر خروجًا إلى الشارع وأوسع حرفة من أختها في أثينا وسائر مدن اليونان.

ومع هذا فقد كان أرسطو يعيب على أهل إسبارطة هذه الحرية والحقوق التي أعطوها للمرأة، ويعزو سقوط إسبارطة وانحلالها إلى هذه الحرية والحقوق.

وفي أوج حضارة اليونان تعدلت أوضاع المرأة واختلطت بالرجال في الأندية، والمجتمعات، فشاعت الفاحشة حتى أصبح الزنا أمرًا غير منكر، وحتى غدت دور البغايا مراكز للسياسة والأدب، ثم اتخذوا التماثيل العارية باسم الأدب والفن، ثم اعترفت ديانتهم بالعلاقة الآثمة بين الرجل والمرأة، فمنهم آلهتهم (أفروديت) التي خانت مع ثلاثة آلهة وهي زوجة إله واحد، وكان من أخدانها رجل من عامة البشر فولدت (كيوبيد) إله الحب عندهم.

ولم يشبع ذلك غرائزهم حتى انتشر عندهم الاتصال الجنسي الشاذ بين الرجل والرجل، وأقاموا لذلك تمثال (هرموديس) و (وارستوجنتين) وهما في علاقة آثمة، وكان ذلك خاتمة المطاف في حضارتهم فانهارت وزالوا.

ب - حقوق المرأة عند الرومان:

أما عند الرومان فقد كان لأمر عندهم في العصر القديم أن الأب ليس ملزمًا بقبول ضم ولده منه إلى أسرته ذكرًا كان أم أنثى، بل كان يوضع الطفل بعد ولادته عند قدميه، فإذا رفعه وأخذه كان دليلًا على أنه ضمه إلى أسرته، وإلا فإنه يعني رفضه لذلك، فيؤخذ الوليد إلى الساحة العامة أو إلى باحات هياكل العبادة فيطرح هناك، فمن شاء أخذه إذا كان ذكرًا، وإلا فإنه يموت جوعًا وعطشًا وتأثرًا من حرارة الشمس أو برودة الشتاء.

وكان لرب الأسرة أن يدخل في أسرته من الأجانب من يشاء ويخرج منها من أبنائه من يشاء، عن طريق البيع، وكانت سلطته على أبنائه وبناته تمتد حتى وفاته مهما بلغ سن الأبناء والبنات، كما كانت له سلطة على زوجته وزوجات أبنائه وأبناء أبنائه، وكانت هذه السلطة تشمل البيع والنفي والتعذيب والقتل، فكانت سلطته سلطة ملك لا حماية، ولم يلغ ذلك إلا في عهد جوشنياف (المتوفى عام 565م) فإن سلطة الأب لم تعد تتجاوز التأديب.

وكان رب الأسرة هو مالك كل أموالها، فليس لفرد فيها حق التملك، وإنما هو الذي يقوم بتزويج الأبناء والبنات دون إرادتهم.

أما الأهلية المالية فلم يكن للبنت حق التملك وإذا اكتسبت مالًا أضيف إلى أموال الأسرة، ولا يؤثر على ذلك بلوغها ولا زواجها، وفي العصور المتأخرة في عصر قسطنطين تقرر أن الأموال التي تحوزها البنت عن طريق ميراث أمها تتميز عن أموال أبيها، ولكن له الحق في استعمالها واستغلالها، وعند تحرير البنت من سلطة رب الأسرة يحتفظ الأب بثلث أموالها كملك له ويعطيها الثلثين.

وفي عهد جوستثيان قرر أنه كلما تكتسبه البنت بسبب عملها أو عن طريق شخص آخر غير رب أسرتها يعتبر ملكًا لها، أما الأموال التي يعطيها رب الأسرة فتظل ملكًا له، على أنها وإن أعطيت حق تملك تلك الأموال فإنها لم تكن تستطيع التصرف فيها دون موافقة رب الأسرة. وإذا مات رب الأسرة يتحرر الابن إذا كان بالغًا، أما الفتاة فتنتقل الولاية عليها إلى الوصي ما دامت على قيد الحياة، ثم عدّل ذلك أخيرًا بحيلة للتخلص من ولاية الوصي الشرعي بأن تبيع المرأة نفسها لولي تختاره، فيكون متفقًا فيما بينهما أن هذا البيع لتحريرها من قيود الولاية، فلا يعارضها الولي الذي اشتراها في أي تصرف تقوم به.

وإذا تزوجت الفتاة أبرمت مع زوجها عقدًا يسمى (اتفاق السيادة) أي بسيادة الزوج عليها بإحدى ثلاث طرق:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت