فهرس الكتاب

الصفحة 544 من 4557

الوجه الثاني: أن أهل الكتاب يعلمون أن الله إنما أرسل إلى الناس بشرا مثلهم، لم يرسل إليهم ملكا، فإن من الكفار مَن كان يزعم أن الله لا يرسل إلا ملكا، أو بشرا معه ملك، ويتعجبون من إرسال بشر ليس معه ملك ظاهر، كما قال تعالى: (وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا) . وقال تعالى: (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره أفلا تتقون فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين إن هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين) . وقال تعالى: (كذبت ثمود بالنذر فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه إنا إذا لفي ضلال وسعر) . وكذلك قال الذين من بعدهم: (ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون) . وكذلك قال قوم فرعون لموسى وهارون: (أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون) . وقال فرعون: (أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين) . وكذلك قالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم. وقال تعالى: (الر تلك آيات الكتاب الحكيم أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكافرون إن هذا لساحر مبين) . وقال تعالى: (وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون) . فبين سبحانه أنكم لا تطيقون التلقي عن الملك، فلو أنزلناه ملكا، لجعلناه في صورة بشر، وحينئذ كنتم تظنونه بشرا، فيحصل اللبس عليكم. فأمر الله تعالى بسؤال أهل الكتاب عمن أرسل إليهم: أكان بشرا أم كان ملكا ؟ ليقيم الحجة بذلك على من أنكر إرسال بشر، كما قال تعالى: (وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين) . وأهل الذكر هم أهل الذكر الذي أنزله الله تعالى.

الوجه الثالث: أنهم يسألون أهل الكتاب عما جرى للرسل مع أممهم، وكيف كان عاقبة المؤمنين بهم وعاقبة المكذبين لهم.

الوجه الرابع: يسألون أهل الكتاب عن الدين الذي بعث الله به رسله، وهو دين الإسلام الذي اتفقت عليه الرسل، كالأمر بالتوحيد والصدق والعدل وبر الوالدين وصلة الأرحام والنهي عن الشرك والظلم والفواحش.

الوجه الخامس: يسألونهم عما وصفت به الرسل ربهم: هل هو موافق لما وصفه به محمد صلى الله عليه وسلم؟ أم لا؟

وهذه الأمور المسئول عنها متواترة عند أهل الكتاب، معلومة لهم، ليست مما يشكون فيه، وليس ـ إذا كان مثل هذا معلوما لهم بالتواتر، فيُسألون عنه ـ يجب أن يكون كل ما يقولونه معلوما لهم بالتواتر.

وأيضا: فإنهم يُسألون أيضا عما عندهم من الشهادات والبشارات بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم. وقد أخبر الله بذلك في القرآن فقال تعالى: (ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم) . وقال تعالى: (وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين) .

فقد أخبر عن عيسى أنه صدق بالرسول، والكتاب الذي قبله وهو التوراة، وبشر بالرسول الذي يأتي بعده وهو أحمد. قال تعالى: (فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون) إلى قوله (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون) . وقال تعالى: (وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين وإنه لفي زبر الأولين أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت