فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وقال تعالى عن من أثنى عليه من النصارى: (وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا) . وقال تعالى: (وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا) . وقال تعالى: (أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين) . وقال تعالى: (ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرءون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون) . وقال تعالى في سورة الأنعام: (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون) . وقال تعالى: (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فعلنة الله على الكافرين) . والأخبار بمعرفة أهل الكتاب بصفة محمد صلى الله عليه وسلم عندهم في الكتب المتقدمة متواترة عنهم.
وكان قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم تجري حروب وقتال بين العرب وبين أهل الكتاب، فتقول أهل الكتاب: قد قرب مبعث هذا النبي الأمي الذي يُبعث بدين إبراهيم، فإذا ظهر اتبعناه وقتلناهم معه شر قتلة. فلما بعث النبي كان منهم مَن آمن به ومنهم من كفر به. فقال تعالى: (وكانوا من قبل يستفتحون) . أي: يستنصرون بمحمد على الذين كفروا. (فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين) .
ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم في خطابه لأهل الكتاب يقول لهم: (والله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول الله) . وكذلك مَن أسلم منهم، كعبدالله بن سلام، كان يقول لغيره من أهل الكتاب: والله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله. وهذا أمر معروف في الأحاديث الصحاح المخرجة في الصحيحين وغيرهما.
فظهر بما ذكرناه تحريف هؤلاء لكلام الله، وأنه لا حجة لهم فيما أُنزل على محمد صلى الله عليه وسلم). 1/292
المسألة الرابعة: (وعندهم التوراة فيها حكم الله) .
أشبع ابن تيمية الكلام عليها في الجواب الصحيح، وقدمنا طرفًا صالحًا من كلامه في المقدمة فيُراجع.
سؤال: الرسول صلى الله عليه وسلم قد احتج على اليهود بآية موجودة في توراة آنذاك.
والجواب: قدمنا أن التوراة لم يبدل كل لفظ منها.
المسألة الخامسة: (يحرفون الكلم) : يحرفون حدود الله في التوراة.
ما رُوى عن ابن عباس: (يحرفون حدود الله في التوراة) هو كعبارات أخرى للسلف الذين لا يقولون بالتحريف اللفظى. وقد عرفت من المقدمة أن المسألة فيها خلاف، فالذين لا يقولون بالتحريف اللفظى، فسروا التحريف المذكور في الآية بالتأويل الباطل أو التبديل. وعلى كلا القولين يلزم أهل الكتاب الذم.
المسألة السادسة: (يقرءون التوراة والإنجيل)
ذكرت قوله صلى الله عليه وسلم: (ثكلتك أمك ابن أم لبيد أوليس هذه اليهود والنصارى يقرؤون التوراة والإنجيل لا ينتفعون منها بشيء) .
فى مشكاة المصابيح: عن زياد بن لبيد قال: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم شيئا. فقال: (ذاك عند أوان ذهاب العلم) . قلت: يا رسول الله، وكيف يذهب العلم، ونحن نقرأ القرآن، ونقرئه أبناءنا، ويقرؤه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامة ؟ قال: (ثكلتك أمك زياد ! إن كنت لأراك من أفقه رجل بالمدينة ! أوليس هذه اليهود والنصارى يقرءون التوراة والإنجيل لا يعملون بشيء مما فيهما ؟!) . رواه أحمد وابن ماجه وروى الترمذي عنه نحوه. وصححه الألبانى.
السؤال: الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقل (قرءوا) بصيغة الفعل الماضي بل قال (يقرءون) .
وأنا أعطيك أحسن منها !
فى صحيح الجامع 6990: (ثكلتك أمك يا زياد ! إن كنت لأعدك من فقهاء أهل المدينة ! هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى، فماذا يغني عنهم ؟!) .
ليس المقصود أن التوراة المنزلة بكاملها (عند) اليهود (يقرءونها) . وإنما المقصود هنا كالمقصود في آيات كثيرة تذكر التوراة والإنجيل. المقصود ـ والله أعلم ـ أن اليهود والنصارى عندهم (من) التوراة المنزلة ما لو عملوا به لأفلحوا، لكنهم لا يعملون. ولذلك جاء في الرواية (لا يعملون بشيء مما فيهما) . وهذا كقوله تعالى: (ولو أنهم أقاموا التوراة) . فأهل الكتاب لم يقيموا التوراة المبدلة فضلًا عن التوراة المنزلة.
وهذا الحديث قوى جدًا في المعنى الذى نبهنا إليه أول الموضوع. النكير على أهل الكتاب يتوجه أولًا إلى تركهم العمل بما معهم من الحق. ويأتى التحريف اللفظى تاليًا في الأهمية. والله أعلم.