فقد أرسل مولاه زيدًا على رأس جيش فيه الأنصار والمهاجرون من سادات العرب ، فلما قتل ولى ابنه أسامة بن زيد قيادة الجيش ، وفيه أبو بكر وعمر وزيرا الرسول وخليفتاه من بعده ، فلم يعط المولى بذلك مجرد المساواة الإنسانية ، بل أعطاه حق القيادة والرئاسة على"الأحرار". ووصل في ذلك إلى أن يقول:"اسمعوا وأطيعوا ولو استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ، ما أقام فيكم كتاب الله تبارك وتعالى ( ) ". فأعطى الموالي بذلك الحق في أرفع مناصب الدولة ، وهو ولاية أمر المسلمين . وقد قال عمر وهو يستخلف:"لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيًا لوليته"فيسير على نفس المبدأ الذي سنه الرسول صلى الله عليه وسلم . ويضرب عمر مثلًا آخر من الأمثلة الرائعة على احترام الموالي ؛ إذ يعارضه بلال بن رباح في مسألة الفيء فيشتد في معارضته ، فلا يجد سبيلًا في رده إلا أن يقول:"اللهم اكفني بلالًا وأصحابه"! ذلك وهو الخليفة الذي كان يملك ـ لو أراد ـ أن يأمر فيطاع!
هذه النماذج التي وضعها الإسلام كان المقصود بها تحرير الرقيق من الداخل ـ كما قلنا في مبدأ هذا الفصل ـ لكي يحس بكيانه فيطلب الحرية ، وهذا هو الضمان الحقيقي للتحرير .
وصحيح أنه شجع على العتق وحث عليه بكل الوسائل ، ولكن هذا نفسه كان جزءًا من التربية النفسية للرقيق ، لكي يشعروا أن في إمكانهم أن يحصلوا على الحرية ويتمتعوا بكل ما يتمتع به السادة من حقوق ، فتزداد رغبتهم في الحرية ويتقبلوا احتمال التبعات في سبيلها ، وهنا يسارع في منحها لهم ، لأنهم حينئذ مستحقون لها ، قادرون على صيانتها .
وفرق كبير بين النظام الذي يشجع الناس على طلب الحرية ويهيء لها الوسائل ، ثم يعطيها لهم في اللحظة التي يطلبونها بأنفسهم ، وبين النظم التي تدع الأمور تتعقد وتتحرج ، حتى تقوم الثورات الاقتصادية والاجتماعية وتزهق الأرواح بالمئات والألوف ، ثم لا تعطي الحرية لطلابها إلا مجبرة كارهة .
وقد كان من فضائل الإسلام الكبرى في مسألة الرقيق ، أنه قد حرص على التحرير الحقيقي له من الداخل والخارج ، فلم يكتف بالنية الطيبة كما فعل لنكولن بإصدار تشريع لا رصيد له في داخل النفوس ؛ مما يثبت عمق إدراك الإسلام للطبيعة البشرية ، وفطنته إلى خير الوسائل لمعالجتها . وهذا إلى جانب تطوعه بإعطاء الحقوق لأصحابها ، مع تربيتهم على التمسك بها واحتمال تبعاتها ـ على أساس الحب والمودة بين جميع طوائف المجتمع ـ قبل أن يتصارعوا من أجل هذه الحقوق ، كما حدث في أوربا ، ذلك الصراع البغيض الذي يجفف المشاعر ويورث الأحقاد . فيفسد كل ما يمكن أن تصيبه البشرية من الخير في أثناء الطريق .
والآن نتحدث عن العامل الأكبر الذي جعل الإسلام يضع الأساس لتحرير الرقيق ثم يدعه يعمل عمله من خلال الأجيال .
لقد جفف الإسلام منابع الرق القديمة كلها ، فيما عدا منبعًا واحدًا لم يكن يمكن أن يجففه ، وهو رق الحرب . ولنأخذ في شيء من التفصيل .
كان العرف السائد يومئذ هو استرقاق أسرى الحرب أو قتلهم ( ) . وكان هذا العرف قديمًا جدًا ، موغلًا في ظلمات التاريخ ، يكاد يرجع إلى الإنسان الأول ، ولكنه ظل ملازمًا للإنسانية في شتى أطوارها .
وجاء الإسلام والناس على هذا الحال . ووقعت بينه وبين أعداءه الحروب ، فكان الأسرى المسلمون يسترقون عند أعداء الإسلام ، فتسلب حرياتهم ، ويعامل الرجال منهم بالعسف والظلم الذي كان يجري يومئذ على الرقيق ، وتنتهك أعراض النساء لكل طالب ، يشترك في المرأة الواحدة الرجل وأولاده وأصدقاؤه من يبغي الاستمتاع منهم ، بلا ضابط ولا نظام ، ولا احترام لإنسانية أولئك النساء أبكارًا كن أم غير أبكار . أما الأطفال - إن وقعوا أسرى - فكانوا ينشأون في ذل العبودية البغيض .
عندئذ لم يكن جديرًا بالمسلمين أن يطلقوا سراح من يقع في أيديهم من أسرى الأعداء . فليس من حسن السياسة أن تشجع عدوك عليك بإطلاق أسراه ، بينما أهلك وعشيرتك وأتباع دينك يسامون الخسف والعذاب عند هؤلاء الأعداء . والمعاملة بالمثل هنا هي أعدل قانون تستطيع استخدامه ، أو هي القانون الوحيد . ومع ذلك فينبغي أن نلاحظ فروقًا عميقة بين الإسلام وغيره من النظم في شأن الحرب وأسرى الحرب .
كانت الحروب - وما تزال - في غير العالم الإسلامي لا يقصد بها إلا الغزو والفتك والاستعباد . كانت تقوم على رغبة أمة في قهر غيرها من الأمم ، وتوسيع رقعتها على حسابها ، أو لاستغلال مواردها وحرمان أهلها منها ؛ أو لشهوة شخصية تقوم في نفس ملك أو قائد حربي ، ليرضي غروره الشخصي وينتفش كبرًا وخيلاء ، أو لشهوة الانتقام .. أو ما إلى ذلك من الأهداف الأرضية الهابطة . وكان الأسرى الذين يسترقون ، لا يسترقون لخلاف في عقيدة ، ولا لأنهم في مستواهم الخلقي أو النفسي أو الفكري أقل من آسريهم ، ولكن فقط لأنهم غلبوا في الحرب .