فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وكذلك لم تكن لهذه الحرب تقاليد تمنع من هتك الأعراض أو تخريب المدن المسالمة , أو قتل النساء والأطفال والشيوخ ، وذلك منطقي مع قيامها لغير عقيدة ولا مبدأ ولا هدف رفيع.
فلما جاء الإسلام أبطل ذلك كله ، وحرم الحروب كلها . إلا أن تكون جهادًا في سبيل الله .. جهادًا لدفع اعتداء عن المسلمين ، أو لتحطيم القوى الباغية التي تفتن الناس عن دينهم بالقهر والعنف . أو لإزالة القوى الضالة التي تقف في سبيل الدعوة وإبلاغها للناس ليروا الحق ويسمعوه .
( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ) ( ) . ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ) ( ) .
فهي دعوة سلمية لا تكره أحدًا: ( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ) ( ) وبقاء اليهود والمسيحيين في العالم الإسلامي على دينهم حتى اللحظة برهان قاطع لا يقبل الجدل ولا المماحكة ، يثبت أن الإسلام لم يكره غيره على اعتناقه بقوة السيف ( ) .
فاذا قبل الناس الإسلام ، واهتدوا إلى دين الحق ، فلا حرب ولا خصومة ولا خضوع من أمة لأمة ، ولا تمييز بين مسلم ومسلم على وجه الأرض ، ولا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى .
فمن أبى الإسلام وأراد أن يحتفظ بعقيدته في ظل النظام الإسلامي - مع إيمان الإسلام بأنه خير من هذه العقيدة وأقوم سبيلًا - فله ذلك دون إكراه ولا ضغط ، على أن يدفع الجزية مقابل حماية الإسلام له ، بحيث تسقط الجزية أو ترد إن عجز المسلمون عن حمايته ( ) فإن أبوا الإسلام والجزية فهم إذن معاندون متبجحون ، لا يريدون للدعوة السلمية أن تأخذ طريقها ، وإنما يريدون أن يقفوا بالقوة المادية في طريق النور الجديد يحجبونه عن عيون قوم ربما اهتدوا لو خلي بينهم وبين النور .
عند ذلك فقط يقوم القتال ، ولكنه لا يقوم بغير إنذار أو إعلان ، لإعطاء فرصة أخيرة لحقن الدماء ونشر السلم في ربوع الأرض: ( وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله ) ( ) .
تلك هي الحرب الإسلامية ، لا تقوم على شهوة الفتح ولا رغبة الاستغلال ، ولا دخل فيها لغرور قائد حربي أو ملك مستبد ، فهي حرب في سبيل الله وفي سبيل هداية البشرية ، حين تخفق الوسائل السلمية كلها في هداية الناس .
ولها مع ذلك تقاليد ؛ يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في وصيته:"اغزوا باسم الله في سبيل الله . قاتلوا من كفر بالله . اغزوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا ً" ( ) .
فلا قتل لغير المحارب الذي يقف بالسلاح يقاتل المسلمين ، ولا تخريب ولا تدمير ولا هتك للأعراض ، ولا إطلاق لشهوة الشر والإفساد: ( إن الله لا يحب المفسدين ) .
وقد راعى المسلمون تقاليدهم النبيلة هذه في كل حروبهم ، حتى في الحروب الصليبية الغادرة ، حين انتصروا على عدوهم الذي كان في جولة سابقة قد انتهك الحرمات واعتدى على المسجد الأقصى فهاجم المحتمين فيه بحمى الله - رب الجميع - وأسال دماءهم فيه أنهارًا ، فلم ينتقموا لأنفسهم حين جاءهم النصر ، وهم يملكون الإذن من الدين ذاته بالمعاملة بالمثل: ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ) ( ) . ولكنهم ضربوا المثل الأعلى الذي يعجز عنه غير المسلمين في كل الأرض حتى العصر الحديث .
ذلك فارق أساسي في أهداف الحرب وتقاليدها بين المسلمين وغير المسلمين . وقد كان الإسلام يملك لو أراد - والحق يسنده في ذلك - أن يعتبر من يقع في يديه من الأسرى - ممن يعاندون الهدى ويصرون على وثنيتهم الهابطة وشركهم المخرف - قومًا ناقصي الآدمية ، ويسترقهم بهذا المعنى وحده . فما يصر بشر على هذه الخرافة - بعد إذ يرى النور - إلا أن يكون في نفسه هبوط أو في عقله انحراف ، فهو ناقص في كيانه البشري ، غير جدير بكرامة الآدميين ، وحرية الأحرار من بني الإنسان .
ومع ذلك فإن الإسلام لم يسترق الأسرى لمجرد اعتبار أنهم ناقصون في آدميتهم ، وإنما لأنهم - وهذه حالهم - قد جاءوا يعتدون على حمى الإسلام ، أو وقفوا بالقوة المسلحة يحولون بين الهدى الرباني وبين قلوب الناس .
وحتى مع ذلك فلم يكن تقليد الإسلام الدائم هو استرقاق الأسرى . فقد أطلق الرسول صلى الله عليه وسلم بعض أسرى بدر من المشركين منًّا بغير فداء ، وأطلق بعضهم لقاء فدية ، وأخذ من نصارى نجران جزية ورد إليهم أسراهم ، ليضرب بذلك المثل لما يريد أن تهتدي إليه البشرية في مستقبلها .
ومما هو جدير بالإشارة هنا أن الآية الوحيدة التي تعرضت لأسرى الحرب: ( فإما منّا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ) ( ) لم تذكر الاسترقاق للأسرى ، وإنما ذكرت الفداء وإطلاق السراح دون مقابل ، حتى لا يكون الاسترقاق تشريعًا دائمًا للبشرية ولا ضربة لازب ، إنما هو أمر يلجأ إليه الجيش الإسلامي المحارب إذا اقتضته الظروف والملابسات .