فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
"هذه الوظيفة لا تحتاج أن تكون العاطفة هي المنبع المستجاش ، بل ذلك يضرها ولا ينفعها . فالعاطفة تنقلب في لحظات من النقيض إلى النقيض . ولا تصبر على اتجاه واحد إلا فترة ، تتجه بعدها إلى هدف جديد . وهذا يصلح لمطالب الأمومة المتغيرة المتقلبة ، ولكنه لا يصلح لعمل خطة مرسومة تحتاج في تنفيذها إلى الثبات على وضع واحد لفترة طويلة من الوقت . وإنما يصلح لذلك الفكر . فهو بطبيعته أقدر على التدبير وحساب المقدمات والنتائج قبل التنفيذ . وهو أبطأ عملًا من العاطفة الجياشة المتفجرة . وليس المطلوب منه هو السرعة ، بقدر ما هو تقدير الاحتمالات والعواقب ، وتهيئة أحسن الأساليب للوصول إلى الهدف المنشود . وسواء كان المقصود هو صيد فريسة ، أو اختراع آلة ، أو وضع خطة اقتصادية ، أو سياسة حكم ، أو إشعال حرب ، أو تدبير سلم ، فكلها أمور تحتاج إلى إعمال الفكر ، ويفسدها تقلب العاطفة ."
"ولذلك فالرجل في وضعه الصحيح حين يؤدي هدفه الصحيح ."
"وهذا يفسر كثيرًا من أوجه الخلاف بين الرجل والمرأة . فهو يفسر مثلًا لماذا يستقر الرجل في عمله ، ويمنحه الجانب الأكبر من نفسه وتفكيره بينما هو في الميدان العاطفي متنقل كالأطفال . في حين أن المرأة تستقر في علاقاتها العاطفية تجاه الرجل ، وحينما تتجه إليه فكأنما كيانها كله يتحرك ويدبر الخطط ويرتب الملابسات ، وهي في هذا الشأن أبعد ما تكون نظرًا وأشد ما تكون دقة . ترسم أهدافها لمسافات بعيدة ، وتعمل دائبة على تحقيق أغراضها . بينما هي لا تستقر في العمل إلا أن يكون فيه ما يلبي جزءًا من طبيعتها الأنثوية كالتمريض أو التدريس أو الحضانة . أما حين تعمل في المتجر فهي تلبي كذلك جزءًا من عاطفتها بحثًا عن الرجل هناك . ولكن هذه الأعمال كلها بديل لا يغني عن الأصل ، وهو الحصول على رجل وبيت وأسرة وأولاد . وما إن تعرض الفرصة للوظيفة الأولى حتى تترك المرأة عملها لتهب نفسها لبيتها . إلا أن يحول دون ذلك عائق قهري كحاجتها إلى المال ."
"ولكن هذا ليس معناه الفصل الحاسم القاطع بين الجنسين ، ولا معناه أن كلا منهما لا يصلح أية صلاحية لعمل الآخر ."
".. الجنسان إذن خليط ، وعلى نسب متفاوتة ، فإذا وجدت امرأة تصلح للحكم أو القضاء أو حمل الأثقال أو الحرب والقتال .. وإذا وجد رجل يصلح للطهي وإدارة البيوت أو الإشراف الدقيق على الأطفال أو الحنان الأنثوي ، أو كان سريع التقلب بعواطفه ينتقل في لحظة من النقيض للنقيض ، فكل ذلك أمر طبيعي ، ونتيجة صحيحة لاختلاط الجنسين في كيان كل جنس . ولكنه خلو من الدلالة المزيفة التي يريد أن يلصقها به شذاذ الآفاق في الغرب المنحل والشرق المتفكك سواء ."
فالمسألة في وضعها الصحيح ينبغي أن توضع على هذه الصورة: هل كل هذه الأعمال التي تصلح لها المرأة زائدة على وظيفتها الطبيعية ، تغنيها عن هذه الوظيفة الأصيلة ؟ تغنيها عن طلب البيت والأولاد والأسرة ؟ وتغنيها عن طلب الرجل قبل هذا وبعد ذلك ليكون في البيت رجل ! بصرف النظر عن شهوة الجنس وجوعة الجسد ؟"…."
والآن وقد استعرضنا حقيقة الخلاف بين طبيعة الرجل والمرأة ، نعود إلى مواضع التفرقة بينهما في الإسلام .
إن مزية الإسلام الكبرى أنه نظام واقعي ، يراعي الفطرة البشرية دائمًا ولا يصادمها أو يحيد بها عن طبيعتها . وهو يدعو الناس لتهذيب طبائعهم والارتفاع بها ، ويصل في ذلك إلى نماذج تقرب من الخيالات والأحلام ، ولكنه في تهذيبه لا يدعو لتغيير الطبائع ، ولا يضع في حسابه أن هذا التغيير ممكن ، أو مفيد لحياة البشرية حتى إذا أمكن ! وإنما يؤمن بأن أفضل ما تستطيع البشرية أن تصل إليه من الخير ، هو ما يجيئ متمشيًا مع الفطرة بعد تهذيبها ، والارتفاع بها من مستوى الضرورة إلى مستوى التطوع النبيل .
وهو يسير في مسألة الرجل والمرأة على طريقته الواقعية المدركة لفطرة البشر ، فيسوي بينهما حيث تكون التسوية هي منطق الفطرة الصحيح ، ويفرق بينهما كذلك حيث تكون التفرقة هي منطق الفطرة الصحيح . فلننظر أهم مواضع التفرقة: تقسيم الإرث ومسألة القوامة .