فهرس الكتاب

الصفحة 596 من 4557

يقول الإسلام في الإرث:"للذكر مثل حظ الأنثيين". ذلك حق . لكنه يجعل الرجل هو المكلف بالإنفاق . ولا يتطلب من المرأة أن تنفق شيئًا من مالها على غير نفسها وزينتها ( إلا حيث تكون العائل الوحيد لأسرتها وهي حالات نادرة في ظل النظام الإسلامي ، لأن أي عاصب من الرجال مكلف بالإنفاق ولو بعدت درجته ) فأين الظلم الذي يزعمه دعاة المساواة المطلقة ؟ إن المسألة مسألة حساب ، لا عواطف ولا ادعاء . تأخذ المرأة - كمجموعة - ثلث الثروة الموروثة لتنفقها على نفسها ، ويأخذ الرجل ثلثي الثروة لينفقها أولًا على زوجة - أي على امرأة - وثانيًا على أسرة وأولاد - فأيهما يصيب أكثر من الآخر بمنطق الحساب والأرقام ؟ وإذا كانت هناك حالات شاذة لرجال ينفقون كل ثرواتهم على أنفسهم ولا يتزوجون ولا يبنون أسرة ، فتلك أمثلة نادرة ، وإنما الأمر الطبيعي أن ينفق الرجل ثروته على بناء أسرة فيها امرأة بطبيعة الحال هي الزوجة . وهو ينفق عليها لا تطوعًا منه بل تكليفًا . ومهما كانت ثروتها الخاصة فلا يحق له أن يأخذ منها شيئًا البتة إلا بالتراضي الكامل بينهما . وعليه أن ينفق عليها كأنها لا تملك شيئًا ، ولها أن تشكوه إذا امتنع عن الإنفاق ، أو قتر فيه بالنسبة لما يملك ، ويحكم لها الشرع بالنفقة أو بالانفصال . فهل بقيت بعد ذلك شبهة في القدر الحقيقي الذي تناله المرأة من مجموع الثروة ؟ وهل هو امتياز حقيقي في حساب الاقتصاد أن يكون للرجل مثل حظ الأنثيين وهو مكلف مالا تكلفه الأنثى ؟

على أن هذه النسبة إنما تكون في المال الموروث بلا تعب ، فهو يقسم بمقتضى العدل الرباني الذي يعطي"لكل حسب حاجته". ومقياس الحاجة هو التكاليف المنوطة بمن يحملها. أما المال المكتسب فلا تفرقة فيه بين الرجل والمرأة ، لا في الأجر على العمل ، ولا في ربح التجارة ولا ريع الأرض إلخ . لأنه يتبع مقياسًا آخر هو المساواة بين الجهد والجزاء . وإذن فلا ظلم ولا شبهة في ظلم ، وليس وضع المسألة أن قيمة المرأة هي نصف قيمة الرجل في حساب الإسلام ، كما يفهم العوام من المسلمين ، وكما يقول المشنعون من أعداء الإسلام . وقد رأينا بحساب الأرقام أن ذلك غير صحيح .

وليس اعتبار شهادة امرأتين بشهادة رجل واحد دليلًا كذلك على أن المرأة تساوي نصف رجل . إنما هذا إجراء روعي فيه توفير كل الضمانات في الشهادة ، سواء كانت الشهادة لصالح المتهم أو ضده ، ولما كانت المرأة بطبيعتها العاطفية المتدفقة السريعة الانفعال ، مظنة أن تتأثر بملابسات القضية"فتضل"عن الحقيقة ، روعي أن تكون معها امرأة أخرى"أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى"وقد يكون المشهود له أو عليه امرأة جميلة تثير غيرة الشاهدة ، أو يكون فتى يثير كوامن الغريزة أو عطف الأمومة .. إلى آخر هذه العواطف التي تدفع إلى الضلال بوعي أو بغير وعي . ولكن من النادر جدًا حين تحضر امرأتان في مجال واحد ، أن تتفقا على تزييف واحد ، دون أن تكشف إحداهما خبايا الأخرى فتظهر الحقيقة ! على أن شهادة الواحدة تعتبر فيما تعد المرأة خبيرة فيه أو مختصة به من شؤون النساء .

أما مسألة القوامة: فالضرورة تقضي أن يكون هناك قيم توكل إليه الإدارة العامة لهذه الشركة القائمة بين الرجل والمرأة ، وما ينتج عنها من نسل ، وما تستتبعه من تبعات . وقد اهتدى الناس في كل تنظيماتهم إلى أنه لا بد من رئيس مسئول ، وإلا ضربت الفوضى أطنابها ، وعادت الخسارة على الجميع . وهناك ثلاثة أوضاع يمكن أن تفترض بشأن القوامة في الأسرة: فإما أن يكون الرجل هو القيم ، أو تكون المرأة هي القيم . أو يكونا معًا قيمين .

ونستبعد الفرض الثالث منذ البدء ، لأن التجربة أثبتت أن وجود رئيسين للعمل الواحد أدعى إلى الإفساد من ترك الأمر فوضى بلا رئيس . والقرآن يقول عن السماء والأرض:"لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا".."إذًا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض". فإذا كان هكذا الأمر بين الآلهة المتوهمين فكيف هو بين البشر العاديين ؟

وعلم النفس يقرر أن الأطفال الذين يتربون في ظل أبوين يتنازعان على السيادة ، تكون عواطفهم مختلة ، وتكثر في نفوسهم العقد والاضطرابات .

بقي الفرضان الأولان . وقبل أن نخوض في بحثهما نسأل هذا السؤال: أيهما أجدر أن تكون وظيفته القوامة ، بما فيها من تبعات: الفكر أم العاطفة ؟ فإذا كان الجواب البديهي هو الفكر ، لأنه هو الذي يدبر الأمور في غيبة عن الانفعال الحاد الذي كثيرًا ما يلتوي بالتفكير فيحيد به عن الطريق المباشر المستقيم ، فقد انحلت المسألة دون حاجة إلى جدال كثير .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت