فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فالرجل بطبيعته المفكرة لا المنفعلة ، وبما يحتوي كيانه من قدرة على الصراع واحتمال أعصابه لنتائجه وتبعاته ، أصلح من المرأة في أمر القوامة على البيت . بل إن المرأة ذاتها لا تحترم الرجل الذي تسيره فيخضع لرغباتها بل تحتقره بفطرتها ولا تقيم له أي اعتبار . فإذا كان هذا من أثر التربية القديمة التي تترك طابعها في اللاشعور ، وتكيف مشاعر المرأة دون وعي منها ، فهذه هي المرأة الأمريكية بعد أن ساوت الرجل مساواة كاملة ، وصار لها كيان ذاتي مستقل ، عادت فاستعبدت نفسها للرجل . فأصبحت هي التي تغازله وتتلطف له ليرضى! وتتحسس عضلاته المفتولة وصدره العريض ، ثم تلقي بنفسها بين أحضانه حين تطمئن إلى قوته بالقياس إلى ضعفها !
على أن المرأة إذا تطلعت"للسيادة"في أول عهدها بالزواج وهي فارغة البال من الأولاد وتكاليف تربيتهم التي ترهق البدن والأعصاب ، فسرعان ما تنصرف عنها حين تأتي المشاغل ، وهي آتية بطبيعة الحال ، فحينذاك لا تجد في رصيدها العصبي والفكري ما تحتمل به مزيدًا من التبعات .
وليس مؤدى ذلك أن يستبد الرجل بالمرأة ، أو بإدارة البيت . فالرئاسة التي تقابل التبعة لا تنفي المشاورة ولا المعاونة . بل العكس هو الصحيح . فالرئاسة الناجحة هي التي تقوم على التفاهم الكامل والتعاطف المستمر . وكل توجيهات الإسلام تهدف إلى إيجاد هذه الروح داخل الأسرة ، وإلى تغليب الحب والتفاهم على النزاع والشقاق . فالقرآن يقول:"وعاشروهن بالمعروف ( ) "والرسول يقول:"خيركم خيركم لأهله ( ) "فيجعل ميزان الخير في الرجل هو طريقة معاملته لزوجته ، وهو ميزان صادق الدلالة ، فما يسيء رجل معاملة شريكته في الحياة إلا أن تكون نفسه من الداخل منطوية على انحرافات شتى ، تفسد معين الخير أو تعطله عن الانطلاق ( ) .
ولكن العلاقات"الرسمية"في داخل الأسرة موضع شبهات كثيرة تحتاج إلى بيان .
بعض هذه الشبهات خاص بالتزامات المرأة نحو الرجل ، وبعضها خاص بموضوع الطلاق وموضوع تعدد الزوجات .
وأنا أعتقد أن الزواج مسألة شخصية إلى حد كبير ، وأنه ككل تعامل بين شخصين ، يعتمد قبل كل شيء على المميزات الشخصية والخصائص النفسية والعقلية والجسمية لكل من الطرفين ، بحيث يصعب جدًا أن يحكمه"قانون"عام . فإذا وجدت حالة يسودها الوفاق والوئام فليس من الضروري أن يكون ذلك لأن الزوجين يراعيان"الأصول"الزوجية كل نحو الآخر . وكثيرًا ما نسمع عن أزواج لا يشتد بينهم الانسجام والمحبة إلا بعد شجار عنيف قد يتجاوز اليد واللسان ! وإذا وجدت حالة من الشقاق والخلاف فليس من الضروري أن يكون السبب غلطة الزوج أو نشوز الزوجة . وكثيرًا ما نسمع عن زوجين كل منهما في ذاته مثال كريم للإنسان ، ولكن"مزاجهما"لا يتفق ، وقد يبكيان حسرة على عدم إمكان التفاهم بينهما ، ولكنهما مع ذلك لا يتفاهمان .
ورغم ذلك فلا بد من قانون عام يحكم أمر الزواج ؛ فلا يستطيع نظام أن يعلن إحاطته الكاملة بحياة البشر دون أن يشرع لهذه المسألة الحساسة ، تشريعًا يضع - على الأقل - الحدود العامة التي لا ينبغي تجاوزها ، ثم يترك التفاعل الشخصي ليحكم ما بين هذه الحدود .
وطبيعي أننا لا نلجأ إلى القانون ونحن متحابون متفاهمون .
فالزواج الموفق لا يلجأ إلى نصوص القانون ولا يحتكم إليها . ولا يقول كل من الزوجين لنفسه إن القانون يقتضيني كذا فلأصنعه وإلا صرت مخالفًا لأوامره . وإنما ينشأ التوفيق - في الغالب كما قلنا - من التقاء المزاج ، من التقاء شطري النفس الواحدة وتعشق أحدهما بالآخر . ينشا من الحب الذي يجمع القلبين على صورة من الصور ، قد لا تكون"عادلة"بالنسبة لأحد الطرفين ، ولكنها مع ذلك مستقرة وافية بالغرض المطلوب .
ولكنا حين نختلف نبحث عن القانون ، ونحتكم إلى نصوصه لعلها تحسم الخلاف .
والمطلوب من القانون أن يكون عادلًا لا يحابي أحد الخصمين على حساب الآخر ، وأن يحاول بقدر الإمكان أن يشمل محيطًا واسعًا من الحالات ، وإن كنت أكرر أنه لا يمكن لأي قانون أن يشمل كل حالة ، أو أن يكون تطبيقه الحرفي صالحًا أو عادلًا في كل حالة .
فلننظر في القانون الإسلامي من جهة التزامات الزوجة ، لأنها هي موضع الشكوى ومثار الشبهات . ويهمني بشأنها ثلاثة أمور:
هل هي التزامات قاسية في ذاتها ؟
وهل هي التزامات من جانب واحد بلا مقابل ؟
وهل هي التزامات"مؤبدة"لا تملك المرأة الفكاك منها حين تريد ؟
تلتزم المرأة بثلاثة أمور رئيسية: أن تطيع زوجها في الفراش كلما دعاها إليه ، وألا توطئ فراشه من يكره ، وأن تحفظ غيبته .