فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
أما المسألة الأولى ، فهي في حاجة إلى قدر من الصراحة لتجليتها . والحكمة فيها واضحة . فطبيعة الرجل الجثمانية تجعله في حاجة إلى إفراغ الشحنة الجنسية كلما تجمعت وألحت ، لكي يفرغ لوظيفته الأخرى من العمل والإنتاج ، ومواجهة مشكلات الحياة بأعصاب لا يرهقها القلق والاضطراب . وقد يكون - في فترة الشباب على الأقل - أكثر طلبًا للجنس ، في عدد المرات فقط ، وإن كانت المرأة أعمق منه استجابة للجنس ، وأشد اشتغالًا به بمجموع نفسها وجسدها وروحها في معناه الشامل لا في صورته الجسدية فحسب ( ) . والزواج منظور فيه بطبيعة الحال إلى تلبية الحاجات الجنسية بجانب المعاني الأخرى الروحية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية .. فإذا كان الزوج لا يجد زوجته ملبية حين يلح عليه خاطر الجنس ويشغل أعصابه ، فأي شيء يصنع ؟ يلجأ إلى الجريمة في خارج البيت ؟ لا المجتمع ينبغي أن يسمح ، ولا الزوجة ذاتها ترضى أن يتجه زوجها بنفسه أو جسده إلى امرأة أخرى ، هي غريمة لها مهما تكن الأوضاع .
ولن يخرج موقف الزوجة إذا دعاها زوجها دون رغبة منها عن حالة من ثلاث: أن تكون كارهة لزوجها لا تطيق الاتصال به ، أو تكون محبة له ولكنها تكره الاتصال الجنسي عامة وتنفر منه ، وتلك حالة نفسية منحرفة ولكنها موجودة في واقع الحياة . أو تكون محبة له غير نافرة من الاتصال به ، ولكنها لا تريد - الآن .
أما الحالة الأولى فهي دائمة لا تتعلق بوقت معين ، ولا بعمل معين ، وهي حالة لا يرجى فيها الإبقاء على الرابطة الزوجية ، فيحسن أن تأخذ طريقها الطبيعي إلى الانفصال . والمرأة تملك هذا من أكثر من طريق كما سيجيء بعد قليل .
والحالة الثانية أيضًا دائمة ، لا تنشأ من إلحاح الزوج في الطلب . وينبغي علاجها بالاتفاق التام الصريح من مبدأ الأمر ، فإما أن يقبل الزوج الامتناع عن تلبية حاجته مهما كلفه ذلك من مشقة ، وإما أن تقبل الزوجة تحمل المشقة لأنها تحب زوجها ولا تريد الانفصال عنه. أو ينفصلان - بالمعروف - إذا لم يمكن التوفيق . أما الشرع فهو يلزم المرأة بالطاعة إذا أصر الزوج ، لا تحكمًا وإعتسافًا ولكن لأن الأمر الطبيعي في الزواج أن يشمل العلاقة الجنسية . ولأن امتناع الزوجة كما قلنا يلجئ الزوج إلى الجريمة الخلقية ( أو إلى الزواج بامرأة أخرى وهو ما تكرهه الزوجة ) . ولكنه لم يلزمها أن تقبل هذا الوضع إذا رأت أنها لا تطيقه ، وأن حبها لزوجها قد تلاشى بسبب هذا الأمر وانقلب إلى فتور ، فهنا تنفصل بسبب الكراهية .
أما الحالة الثالثة فهي مؤقتة وعلاجها ميسور . إن هذا النفور الوقتي من الاتصال الجنسي قد ينشأ من تعب أو ملل أو انشغال بال . ولكن قدرًا من التهيئة النفسية والجسمية كفيل بإزالته . ولذلك اهتم الرسول بتوجيه نظر الرجال إلى المداعبة اللطيفة والأخذ والعطاء قبل العمل ذاته ، أولًا ليرفع هذه العلاقة عن بهيمية الجسد الخالصة ويجعلها ألفة نفس وامتزاج روح ، ثم ليزيل مثل هذا العارض الذي قد يسبب النفور .
أما حين تكون الزوجة هي الراغبة والزوج منصرف لسبب من الأسباب ، وهذا نادر الوقوع في فترة شباب الزوج على الأقل ، فالمرأة لا تعدم الوسيلة .. ولكنا نقرر أن القانون الذي دعا المرأة لطاعة زوجها ، قد اهتم برغبتها وأحلها مكانها الحق ، وألزم الزوج بأداء"واجبه الزوجي"إذا طلبت الزوجة . فإذا عجز الزوج وقع الانفصال . وهكذا نرى أن الالتزام واقع من الناحيتين ، وليس فيه تعسف بالزوجة ولا إهدار لكيانها الشخصي .
والالتزام الثاني هو ألا توطئ الزوجة فراش زوجها من يكره ، أي لا تدخل بيته أحدًا يكرهه ( وليس المقصود الفاحشة فهذه محرمة حتى لو رضي بها الزوج ) وحكمة هذا الالتزام أنه كثيرًا ما تنشأ المنازعات في البيت نتيجة دخول أحد بين الزوجين بالسعاية أو الإثارة وسوء التوجيه . فإذا لحظ الزوج ذلك وطلب من زوجته أن تمنع شخصًا معينًا من دخول بيته ، فماذا يحدث حين تعارض الزوجة ؟ يستمر منبع الفتنة ويستحيل الوفاق . فالإلزام هنا لصالح الشركة القائمة بين الزوجين وما ينتج عنها من أطفال يحتاجون إلى الرعاية وإلى جو من المودة لا يفسده الشجار والشقاق ، حتى لا ينشأ الأطفال منحرفي النفوس والأفكار .