فهرس الكتاب

الصفحة 599 من 4557

ولعل القائل أن يقول: ولماذا لم يلزم القانون الزوج أيضًا بألا يدخل بيته من تكرهه زوجته ؟ وطبيعي أنه في حالة الحب والمودة ، وفي حالة التهذيب والارتفاع من الجانبين ، يمكن التفاهم على جميع الأمور فلا تصل إلى درجة الاحتكاك . ولكنا نفترض أن الشقاق واقع والتفاهم مستحيل ، ولذلك نلجأ إلى حكم القانون . وهنا يجب أن نذكر أن انفعالات المرأة ليست في غالب الأحوال منطقية ، وأن الغيرة الشخصية البحتة - لا المصلحة - قد تكون هي التي تنفر الزوجة من أم الزوج أو أخته أو إحدى قريباته . فإلزام الزوج في هذه الحالة بإطاعة زوجته في إبعاد من تكره ، لن يكون إلزامًا للمصلحة ، ولكن لثورة عاطفية قد لا تلبث أن تتحول ، أو تكون قائمة على غير أساس .

ولست أعني من ذلك أن الزوج دائمًا على حق فيما يصنع ، فقد ينقلب طفلًا في كثير من الحالات ، ويولع بالمكايدة . ولا أعني كذلك أن الزوجة دائمًا مخطئة ، فقد تكون محقة في النفور من شخص بعينه ، وقد يكون هذا الشخص ممن يعملون فعلًا على هدم روابط الزوجية لأي سبب ، ولكن القانون موكل بالنسبة الغالبة ، ومتمش مع الفطرة التي تفترض أن الرجل أكثر انقيادًا لعقله ، والمرأة أكثر انقيادًا لانفعالاتها العاطفية ، ثم إن الباب مفتوح أمام المرأة في كل حالة تجد أنها لا تستطيع الاستمرار على احتمالها ، فتنهيها بالانفصال .

أما محافظة الزوجة على عرض زوجها وماله في غيبته فهو التزام طبيعي ومنطقي لا أحسب أحدًا يجادل فيه . وهو التزام مشترك يشمل الرجل والمرأة على السواء .

وننتقل الآن إلى حالة النشوز من جانب الزوجة أو من جانب الزوج:

يتفرع عن قوامة الرجل على المرأة حق الزوج في تأديب زوجته الناشزة ، وهو الحق الذي تبينه هذه الآية:"واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن ، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلًا ( ) ".

ويلاحظ أن الآية تدرجت في بيان وسائل التأديب حتى وصلت إلى الضرب - غير المبرح - في نهاية المطاف . ولسنا هنا بصدد الحالات التي يساء فيها استخدام هذا الحق ، فكل حق في الدنيا يمكن أن يساء استخدامه ، ولا يمكن الحيلولة دون ذلك إلا بالتهذيب الخلقي والارتفاع الروحي ، وهي مسألة لا يهملها الإسلام ، ولا يني عن توجيه العناية إليها ( ) ولكننا بصدد مشروعية هذا الحق وضرورته في صيانة كيان الأسرة ومنعها من التفكك والانحلال .

كل قانون أو نظام في الدنيا تلزمه السلطة التي تؤدب الخارجين عليه ، وإلا أصبح حبرًا على ورق . وانتفت الفائدة المقصودة من وجوده .

والزوجية نظام قائم لصالح المجتمع وصالح الزوج والزوجة على السواء ، والمفروض فيه أن يحقق أقصى ما يمكن من المصالح للجميع . وحين يكون الوئام والوفاق سائدين فيه تتحقق جميع المصالح بغير تدخل القانون . ولكن حين يحدث الشقاق ينجم الضرر الذي لا يقف عند شخصي الزوجين ، بل يتعداهما إلى الأطفال ، وهؤلاء نواة المجتمع المقبلة التي يجب إحاطتها بحير وسائل التنمية والتهذيب .

فحين تتسبب الزوجة في هذا الضرر فمن الذي يتولى ردها إلى الصواب ؟ المحكمة ؟ إن تدخل المحكمة في خصوصيات العلاقة بين الزوجين إدعى إلى توسيع هوة الخلاف - الذي قد يكون هنيًا وموقوتًا - وأدعى إلى إفساد هذه العلاقة لأنه يمس كرامة هذا الطرف أو ذاك علانية ، فتأخذه العزة بالأثم ويتشبث بموقفه . فالمحكمة لا يجوز أن تتدخل إلا في كبريات المسائل التي تفشل فيها كل محاولة للتوفيق .

ثم إنه ليس من العقل أن نلجأ إلى المحكمة في حوادث الحياة اليومية التافهة التي تتجدد كل دقيقة ، وتنتهي من نفسها كل دقيقة ، فذلك خبال لا يقدم عليه العقلاء ، فضلًا عن أنه يحتاج إلى إقامة محكمة في كل بيت تعمل ليل نهار‍‍‍‍ !

لا بد إذن من سلطة محلية تقوم بهذا التأديب ، هي سلطة الرجل المسؤول في النهاية عن أمر هذا البيت وتبعاته . وهي تبدأ بالوعظ الجميل الذي يرد الشارد عن غيه ولا يجرح كبرياءه ، فإن أفلحت هذه الطريقة كان خير ، وإلا فهناك درجة أخرى أعنف من السابقة ، هي الهجر في المضاجع ، وهي لفتة نفسية عميقة من الإسلام لطبيعة المرأة التي تعتز بجمالها وفتنتها ، وتدل بهما ، حتى يؤدي ذلك أحيانًا إلى النشوز . والهجر في المضاجع معناه عدم الخضوع لهذه الفتنة ، مما يطامن من كبرياء الزوجة الجامحة ويردها إلى الصواب . فإذا لم تفلح جميع الوسائل ، فنحن أمام حالة من الجموح العنيف لا يصلح لها إلا إجراء عنيف هو الضرب ، بغير قصد الإيذاء ، وإنما بقصد التأديب . لذلك نص التشريع على أنه ضرب غير مبرح .

وهنا شبهة الإهانة لكبرياء المرأة ، والفظاظة في معاملتها ، ولكن ينبغي أن نذكر من جهة أن السلاح الاحتياطي لا يستعمل إلا حين تخفق كل الوسائل"السلمية"الأخرى . ومن جهة ثانية أن هناك حالات انحراف نفسي لا تجدي معه إلا هذه الوسيلة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت