فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
أما في الحالات العادية التي لا تصل إلى حد المرض ، فالضرب لا ضرورة له . وهو سلاح احتياطي لا غير ، لا يجوز المبادرة إليه ولا الابتداء به ، والآية بترتيب درجاتها تشير إلى ذلك ، والرسول الكريم ينهي الرجال عن استعمال هذا الحق - إلا في الضرورة القصوى التي لا يفلح فيها شيء - ويقول لهم موبخًا:"لا يجلد أحدكم امرأته جلد العير ثم يجامعها في آخر اليوم ( ) ".
أما حين ينشز الزوج فالقانون مختلف:"وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا ، والصلح خير ( ) ".
وقد يطيب لبعض الناس لأول وهلة أن يطالب بالمساواة الكاملة ! ولكن المسألة هنا هي مسألة الواقع العملي والفطرة البشرية ، لا مسألة عدالة نظرية مثالية لا تقوم على أساس . أي امرأة سوية في الأرض كلها تضرب زوجها ثم يبقى له في نفسها احترام ، وتقبل أن تعيش معه بعد ذلك ؟ وفي أي بلد في الغرب"المتحضر"أو الشرق المتأخر طالبت النساء بضرب أزواجهن ؟
ولكن المهم أن الشرع لم يلزمها بقبول نشوز الزوج واحتماله ، فأباح لها الانفصال حين لا تطيق .
في جميع الحالات السابقة رأينا:
أولًا: أن التزامات المرأة نحو الرجل ليست تحكمية ، وإنما نظر فيها للمصلحة العامة التي تشمل الزوجة أيضًا بطريق مباشر أو غير مباشر .
ثانيًا: أن معظم هذه الالتزامات له مقابل من نفس النوع عند الزوج . أما الحالات القليلة التي اختص فيها الرجل بلون من السلطة ليس للمرأة ، فقد روعي فيها فطرة الرجل والمرأة كليهما ، ولم يقصد بها إذلال المرأة ولا إهانتها .
ثالثًا: أنه في مقابل هذه السلطة منحت المرأة الحق في رفضها إذا كانت نفسها لا تقبلها ، أو أحست بأن في قبولها ظلمًا لها .
أما الانفصال الذي أشرنا إليه مرارًا من قبل ، والذي هو طريق المرأة العملي لرفض ما لا تطيق من الالتزامات ، فله ثلاث سبل مختلفة:
أن تجعل المرأة عصمتها في يدها ، وقد صرح بذلك الشرع وإن كان لا يتمسك به إلا القليلات من النساء ، ولكنه حق لها إذا شاءت أن تستخدمه .
أو تطلب الطلاق لأنها كارهة لزوجها غير مطيقة معاشرته . وقد سمعت أن المحاكم لا تأخذ بهذا المبدأ . ولكنه مبدأ صريح أقره الرسول وعمل به ، فهو جزء من التشريع ، وشرطه الوحيد أن تتنازل المرأة عما تملكته بطريق الزواج ، وهو شرط عادل . لأن الزوج حين يطلق زوجته يفقد كل ما ملكه إياها بالزواج ، أي أن الطرف الذي يتسبب في الطلاق - سواء كان الرجل أو المرأة - يحتمل خسارة مادية مقابل فصمه لعرى الزوجية .
والطريق الثالث أن تطلب الطلاق - مع الاحتفاظ بمتاعها وأخذ النفقة - على أساس سوء المعاملة أو الإضرار . إذا استطاعت أن تثبت ذلك . والمحاكم تشدد في ذلك لعلمها أن كثيرًا من القضايا التي تعرض أمامها ترجع إلى المكايدة . ولكنها تحكم بالطلاق عند ثبوت الأمر .
تلك أسلحة المرأة مقابل سلطة الرجل عليها ، وهما في النهاية متكافئان .
وذلك يجرنا إلى الحديث عن الطلاق…
ونحن نسمع كثيرًا من القصص عن المآسي التي تنجم عن الطلاق ، من تشريد للزوجة والأطفال ، ومنازعات في المحاكم لا تكاد تنتهي حتى تبدأ من جديد .
تكون المرأة في بيتها هادئة مستقرة ، بل مكدودة ناصبة ، ترضع طفلًا وتنظر في طلبات طفل آخر ، وتعمل مع هذا وذاك على تهيئة راحة الزوج ، فإذا هي تفاجأ دون إنذار سابق بوثيقة الطلاق على يد المأذون . لماذا ؟ لأن نزوة طارئة خطرت في نفس الزوج: رأى امرأة أخرى ظنها أجمل ، أو مل"الروتين"الزوجي فرغب في التغيير ، أو لأنه طلب من زوجته أن"تسقيه"فرفضت أو تكاسلت لأنها متعبة .. !
أما من طريق لتحطيم هذا السلاح الخطر الذي يلهو به الرجل في لحطة غادرة بكيان امرأة صابرة وعش هادئ ومستقبل سعيد كان ينتظر أفراخه الصغار ؟
ولا شك في وجود هذه المآسي الكثيرة التي يتحدث بها الناس . ولكن ما السبيل ؟
هل نلغي الطلاق ؟ وكيف نصنع في المآسي الأخرى التي تنجم من تحريم الطلاق ؟ تلك المآسي التي تعرفها جيدًا الدول الكاثوليكية التي لم تأخذ بمبدأ الإباحة ؟ وهل يصير البيت بيتًا وأحد الطرفين أو كلاهما يكره الآخر ولا يطيق عشرته ، ومع ذلك فالقيد مؤبد والخلاص مستحيل ؟ أَوَ ليس هذا يؤدي إلى الجريمة ؟ يتخذ الزوج عشيقة يلبي معها دوافع الجنس ، والزوجة المنبوذة تتخذ نفس الطريق ؟ وهل ينفع الأطفال أن ينشأوا في مثل هذا الجو الكابي الملبد بالغيوم ؟ ليس المهم هو مجرد حياتهم في كنف الوالدين . ولكن المهم هو الجو الذي يعيشون فيه . وإلا فما أكثر المنحرفين والمنحرفات الذين جاء انحرافهم من حياتهم مع أبوين متخاصمين لا ينتهي لهما خصام .
يقولون: نقيد حق الرجل في الطلاق .