فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
يعني ماذا ؟ يعني أنه لا يقع الطلاق بمجرد إلقاء الرجل لكلمة الطلاق ، وإنما يقع في المحكمة . والمحكمة ترسل في طلب حكم من أهله وحكم من أهلها ، ويبحثون الموضوع ، ويراجعون الزوج ، ويعظونه ويحاولون الصلح ، فلعل ذلك كله أن يرد الرجل عن غيه ويبقي على الأسرة وروابط الزوجية ، فإذا لم تجد المحاولة فعند ذلك فقط ينفذ الطلاق على يد القاضي لا على يد الزوج .
ولست أجد على أي حال مانعًا من هذا الإجراء الذي ينفذ في جزء منه وصية الشرع في مراجعة الأهل ومحاولة التوفيق ، وإن كنت لا أومن بجدواه في كثير ، فالاحتياطات التي يريدها هؤلاء المصلحون موجودة بالفعل دون حاجة إلى محكمة . ولنفرض أنه طلقها ووقع الطلاق بنص الشرع فهل يمنع ذلك أن يقوم أهله وأهلها بالتوفيق فترد إليه في الحال بدون إجراء جديد ؟ فإذا كانت المرة الثانية ووقع الطلاق أيضًا فهل يتعذر التوفيق إذا كانت هناك رغبة فيه أو فائدة في إتمامه ؟ مع تأديب الزوج بعمل إجراءات جديدة ومهر جديد ؟
إن الرغبة في التوفيق - حين توجد - لا تتوقف على تدخل المحكمة ، وحين تكون عقيمة فماذا يملك القاضي أكثر مما يملك الأهل والأصدقاء ؟
وهناك أمم"متحضرة !"لا تعيش على التشريع الإسلامي ، ولا يتم الطلاق فيها إلا في المحكمة ، وبعد تقديم المواعظ والإرشادات ومحاولة التوفيق ، فكم بلغت نسبة الطلاق هناك ؟ لقد وصلت في أمريكا إلى 4.% وهي أعلى نسبة في العالم كله ، بما فيه مصر التي يتهم أهلها بأنهم من هواة الزواج والطلاق !
أما المتطرفون والمتطرفات ، الذين يريدون ألا يحكم القاضي للرجل بالطلاق إلا إذا ثبت ثبوتًا قاطعًا أن الزوجة هي المخطئة ، وأن الحياة معها - في نظر القاضي- مستحيلة .. فأية كرامة يريدونها للمرأة من هذا السبيل ؟ أية كرامة لها في أن تبقى في بيت رجل يكرهها ولا يريدها في بيته ؟ ويذكرها صباح ومساء بأنه لا يرغب فيها ولا محل لها في قلبه ، وينبذها ويتصل بغيرها وهي تعلم ؟
أتبقى هناك للمكايدة ؟ وهل هذا هدف يطلب من التشريع أن يقره ؟ أو هل سبيل المكايدة الوحيد أن تبقى معه وهو راغم ، وهي مسلوبة الكرامة والسلطان ؟
أم تبقى لتربية الأولاد ؟ أكرم للأولاد وأقوم لتربيتهم أن يكونوا منفصلين مع أمهم ، من أن يكونوا ليل نهار في هذا الجو المظلم الكريه .
كلا ! ليس هؤلاء المتطرفون على شيء من التوفيق .
وإن المشكلة لا تحل بتغيير التشريع ، الذي وضع للضرورة ، ووجدت البشرية - في غير الإسلام - أنه لا معدى لها عنه ولا فكاك .
إنما تحل بالتربية ، برفع المستوى الثقافي والنفسي والروحي لمجموع الشعب . بتهذيب المشاعر حتى يكون الخير هو الغالب ، وتكون المودة هي الأصل في الحياة . بتعويد الرجل أن ينظر إلى علاقته الزوجية على أنها رباط مقدس لا ينبغي الإخلال بأمنه لأتفه النزوات .
والتربية طريق طويل وبطيء يحتاج إلى مجتمع يعيش بالإسلام ويحكم شريعة الله في أمره كله ، ويحتاج إلى جهد دائم في البيت والمدرسة والسينما والإذاعة والصحافة والكتب والمسجد والطريق .. ولكنها مع ذلك هي الطريق الوحيد المضمون .
أما التشريع فحسبه عدالة أن يعطي الحق للطرفين ، فيعطي المرأة كذلك حق الانفصال حين ترى حياتها مع الرجل لا تؤدي إلى الوفاق المنشود .
والطلاق - بعد - هو أبغض الحلال إلى الله .
أما تعدد الزوجات فتشريع للطوارئ ، وليس هو الأصل في الإسلام ."فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ، فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ( ) ".
المطلوب إذن هو القسط والعدل ، وهو غير مضمون التحقيق . وعلى ذلك يكون الأصل في الإسلام هو وحدانية الزوج . ولكن هناك حالات تكون فيها الوحدانية ظلمًا لا عدالة فيه . وعند ذلك يلجأ إلى تشريع الضرورة ، مع علمه أنّ العدالة المطلقة فيه غير مضمونة ، ليتقي ضررًا أكبر بضرر أخف .
وأهم الحالات التي يحتاج المجتمع فيها إلى هذا التشريع هي حالات الحروب التي تفني عددًا كبيرًا من الشباب ، فيختل الميزان ويزيد عدد النساء على عدد الرجال . وعند ذلك يكون تعدد الزوجات ضرورة لاتقاء الفساد الخلقي والفوضى الاجتماعية التي تنشأ لا محالة عن وجود نساء بلا رجل . وقد تعمل المرأة لتعول نفسها وأهلها ، نعم ، ولكن حاجتها الطبيعية إلى الجنس كيف تقضيها ؟ وما لم تكن هذه المرأة قديسة أو ملاكًا فهل أمامها سبيل إلا الارتماء في أحضان الرجال لحظات خاطفة في ليل أو نهار ؟ ثم حاجتها إلى الأولاد .. كيف تشبعها ؟ والنسل شهوة بشرية لا ينجو منها أحد ، ولكنها لدى المرأة أعمق بكثير منها عند الرجل .
إنها كيانها الأصيل الذي لا تشعر دونه بطعم الحياة .