فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فهل من سبيل إلى قضاء تلك الحاجات كلها بالنسبة للمرأة ذاتها - بصرف النظر عن حاجة المجتمع إلى أخلاق نظيفة تحفظه من التحلل الذي أصاب دولًا كثيرة فأزالها من قائمة الدول التي لها دور في التاريخ - هل من سبيل إلى ذلك بغير اشتراك أكثر من امرأة في رجل واحد ، علانية وبتصريح من القانون ، على أن تكون كل منهن أصيلة ذات حقوق متساوية في كل شيء ( إلا عواطف القلب المضمرة فهذه ليس لأحد عليها سلطان ) ؟
ذلك بعض هدف الإسلام من هذا التشريع . وما يقول أحد إن اشتراك امرأة في رجل مع امرأة أخرى فضلًا عن اثنتين أو ثلاث ، يريح نفسها ويمنحها السعادة التي تهفو إليها . ولكنها ضرورة . ولولا أنها تجد في هذا الاشتراك ضررًا أخف من بقائها عاطلة بلا رجل ما قبلت الإقدام على ما فيه من منغصات .
وشبيه بحالة الحرب كل حالة يختل فيها التوازن لسبب من الأسباب . فالرجال أكثر تعرضًا لحوادث العمل وحوادث الطريق ، وللموت في الأوبئة لأنهم أقل مناعة بالطبيعة من النساء . أما حين يتساوى العدد فلا يمكن - حسابيًا - أن يقوم تعدد الزوجات . ولم يحدث في أي وقت أن أراد شاب أن يتزوج فلم يجد ، لأن غيره من الرجال قد استولى على نصيبه في النساء !
وهناك حالات فردية معروفة لدى الفقهاء يكون تعدد الزوجات فيها ضرورة ، منها الطاقة الجنسية الحادّة التي لا تكتفي بواحدة ولا يمكن لصاحبها الصبر عليها . فهذه إما أن تأخذ طريقها المشروع إلى زوجة ثانية ، وإما أن تتخذ الخليلات في السر ، وهو وضع لا يسمح المجتمع النظيف بوجوده .
ومنها حالات عقم الزوجة . والنسل كما قلنا رغبة بشرية عميقة ، وهي رغبة رفيعة لا حطة فيها ولا عيب في اشتهائها . وصحيح أنه لا ذنب للزوجة العقيم في عقمها ، ولكن من يقول إنه من العدالة حرمان الزوج - كرهًا عنه - من حقه المشروع في إنجاب الأطفال ؟ فإذا رضيت الزوجة الأولى الاشتراك مع غيرها كان بها ، وإلا فأمامها طريق الانفصال إذا كانت لا تطيق .
أو حالات المرض الدائم الذي يمنع الاتصال . ولا يقولن أحد إن الرغبة الجنسية دنيئة في ذاتها ( ) ولا يجوز أن تكون سببًا في هدم سعادة امرأة . ليست المسألة مسألة دناءة أو ارتفاع . إنها ضرورة لا حيلة لأحد فيها . فإذا ارتفع الرجل عليها تطوعًا ، ومراعاة لخاطر الزوجة ، فذلك نبل مشكور ، ولكن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها ، والاعتراف بالأمر الواقع خير من التظاهر بالنبل مع الخيانة في الظلام ، كما يحدث في الدول التي لا تبيح تعدد الزوجات .
أو حالات النفور التي لا يملك الإنسان دفعها ولا السيطرة عليها .
ويلاحظ في جميع هذه الحالات أن الزوج يبقى على زوجته الأولى كراهة منه أن يطلقها ، ووفاء لعشرته الطويلة معها أن تنتهي بالطلاق ، وهو شعور كريم وإن كان لا يؤدي إلى سعادة الزوجة . أما إذا كان يمسك بها ضررًا ومكايدة ، فذلك حرام عليه عند الله ، وسبب موجب للطلاق حين تطلبه الزوجة .
ونستمر في استعراض الشبهات ، فنتحدث عن حق العمل .
وهو حق لا شبهة فيه ، وكانت النساء في صدر الإسلام يعملن حيث تقتضي الظروف منهن العمل . ولكن المسألة ليست مسألة تقرير الحق في ذاته ، فالواقع أن الإسلام لا يستريح لخروج المرأة تعمل في غير الأعمال الضرورية التي تقتضيها حاجة المجتمع من ناحية أو حاجة امرأة بعينها من ناحية أخرى . فتعليم البنات ، والتمريض ، وتطبيب النساء ، وما إلى ذلك أمور ينبغي أن تقوم بها المرأة . فهي إذن وظائف يحتم المجتمع أن يشتغل بها النساء ، ويملك أن يجندهن لها ، كما يجند الرجال للحرب سواء بسواء . وحاجة المرأة إلى العمل لعدم وجود عائل لها ، أو عدم كفاية ما يعولها به عائلها ، حاجة تقرر حق المرأة في العمل لأن ذلك أصون لها من الابتذال في سبيل العيش .
ولكن هذه وتلك ضرورة . والإسلام يبيحها على هذا الوضع . أما أن يكون الأصل في المجتمع أن تخرج المرأة لتعمل - كما ترى دول الغرب والدول الشيوعية سواء - فهي حماقة لا يقرها الإسلام ، لأنها تخرج بالمرأة عن وظيفتها الأولى ، وتنشئ من المفاسد النفسية والاجتماعية والخلقية أكبر مما تنتج من الخير .
ولا يستطيع أحد في الدنيا كلها أن يزعم أن المرأة بتكوينها الجسدي والفكري والوجداني ليست مهيأة لوظيفة معينة هي الأمومة . فإذا لم تقم بها فذلك إهدار لطاقة حيوية مرصودة لغرض معين ، وتحويل لها عن سبيلها الأصيل . وحين تقتضي الضرورة ذلك فلا اعتراض . أما اللجوء إليه بغير ضرورة ملحة ، ومجرد استجابة لنزوة حمقاء أصيب بها جيل من البشرية ، يريد أن يستمتع بغير حد ، وليأت من بعده الطوفان ، فأمر لا يطلب من الإسلام قبوله ، ولو استجاب له لتخلى عن مزيته العظمى ، وهي النظر إلى الإنسانية كلها على أنها كيان متصل لا ينقطع عند جيل من الأجيال .
ويقال إن المرأة تستطيع أن تكون أمًا وتكون عاملة ، والبركة في المحاضن تحل مشكلة الأطفال .
كلام فارغ لا يثبت عند التمحيص .