فهرس الكتاب

الصفحة 689 من 4557

أما المداعبة فكان النبي صلى الله عليه وسلم يداعب نساءه ويمازحهن ، وحينما يجلس معهن ويخلو بهن ، وقد كان لعائشة بنت الصديق رضي الله عنهما من قلب رسولا لله صلى الله عليه وسلم ما لم يكن لأحد من نسائه بعد خديجة رضي الله عنها ، فكانت الحبيبة بنت الحبيب ، وكانت هي أكثرهن إدلالًا عليه لصغر سنها ، وفرط ذكائها ، ومنزلة والدها . وفي الصحيحين عن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنِّي لَأَعْلَمُ إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى قَالَتْ فَقُلْتُ مِنْ أَيْنَ تَعْرِفُ ذَلِكَ فَقَالَ أَمَّا إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً فَإِنَّكِ تَقُولِينَ لَا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى قُلْتِ لَا وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ قَالَتْ قُلْتُ أَجَلْ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَهْجُرُ إِلَّا اسْمَكَ

وروى الإمام أحمد في مسنده أن عائشة أم المؤمنين خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحد أسفاره ، وكانت صغيرة لم تبدُنْ بعد ، فتسابق وإياها فسبقته ، فسكت عنها إلى أن بَدُنتْ ، وخرجت معه مرة أخرى فتسابقا ، فسبقها ، فجعل يضحك وهو يقول لها (هذه بتِيك) أي واحدة بواحدة.

خ - موقفه منهن موقف الصلح: المرأة بما جبلت عليه من عاطفة فياضة ، وغيرةٍ متقدمة ، تتأثر دائمًا بأي موقف يثيرها ، وبأية حادثة تحدث لها ، وما نساء النبي صلى الله عليه وسلم إلا من جملة نساء البشر ؛ لهن عواطف تتأثر ، ومشاعر تتحرك ، فمن الطبيعي أين يقع بينهن شئ من الخصومات وسوء التفاهم ، ومن الطبيعي كذلك أن يقف الرسول صلى الله عليه وسلم منهن موقع المصلح المعلم ، حتى إذا صلح أمرهن ، وتهذبت نفوسهن كن لغيرهن من النساء قدوة ، وللزوجات والأمهات مثالا .

وإليكن طرفًا من هذا التعليم والإصلاح:

• روى الترمذي أن صفية بلغها أن عائشة وحفصة قالتا: نحن أكرم على رسول الله منها ، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقال: ( ألا قلت: وكيف تكونان خيرًا مني ، وزوجي محمد ، وأبي هارون ، وعمي موسى ؟! ) وقد لقبتها زينب مرة باليهودية ، فهجرها النبي صلى الله عليه وسلم شهرًا كاملًا عقوبة لها.

• وروى ابن سعد أن عائشة اختصمت مرة مع زينب - إحدى ضرائرها - أمام النبي صلى الله عليه وسلم ، فنظر الرسول إليهما نظرة المغضب ولم يكلمهما ، فانتبهت عائشة لنظرات الرسول صلى الله عليه وسلم ، فاستطاعت بلباقتها أن تضفي على الجو روح الألفة والسرور ،فبتسم الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: ( إنها بنت أبي بكر !! ) .

• وروى أبو داود والترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت: ( قلا للنبي صلى الله عليه وسلم: حسبك من صفية كذا وكذا - تعني أنها قصيرة - فقال صلى الله عليه وسلم:( لقد قلتِ كلمة واحدة لو مزجت بماء البحر لمزجته ) أي أن كلمتها لو ألقيت في البحر لأفسدته.

• وقد جاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم حلف أن لا يقربهن شهرًا ، واعتزلهن كلهن زجرًا وتأديبًا لتواطئهن والائتمار بينهن ، حتى يكنَّ قدوة صالحة لسائر النساء.

تلكم أهم المواقف التي سلكها الرسول صلى الله عليه وسلم في ملاطفته لأهله ، وحسن معاشرته لأزواجه ، ألا فليأخذ المتزوجون من هذه المواقف دروس القدوة ، وليستلهموا منها مواطن العبرة ، حتى لا يقعوا في الجور ، ولا يتعثروا في أوحال الانحراف والظلم . ولو كان الرسول صلى الله عليه وسلم مقتصرًاعلى زوجة واحدة لما عرف الناس هذه التعاليم العملية ، ولما اتضح لهم المنهج السليم في معاشرة الأهل ومعاملة الزوجات ، ولما اتضح لهم مواطن الأسوة الحسنة في رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الجانب .

(21) المسند 6: 108.

(22) أما رواية ابن سعد في طبقاته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد فراقها فناشدته أن يمسكها فإنها ضعيفة

(23) ابن سعد.

(24) أي يكنسه.

(25) ابن سعد ( 8: 148 ) .

(26) وإذا كان القرآن الكريم أباح للزوج أن يضرب زوجت في حال النشوز ضربًا غير مبرح؛ فينبغي ألا يعرب عن البال أن هذا الضرب يأتي بالمرحلة الأخيرة بعد الوعظ والهجر في المضجع كما نصت عليه الآية ، ثم بالتالي إن كان ينفع ولم يترتب على الضرب فتنة أشد ولا مصيبة أعظم ، وأن لا يضرب في أماكن الخطر كالوجه مثلًا ؛ والأفضل في حق الزوج أن لا يلجأ إلى الضرب اقتداء بالرسول عليه الصلاة والسلام لأنه لم يضرب امرأة قط كما مر.

(27) لم تبدن: أي لم يصيبها السمن,

(28) قد كان نساء النبي صلى الله عيه وسلم تواطأن على طلب التوسعه في النفقة ، وإفشاء السر ، والكيد لبعض النساء من زوجاته ، وارجع إلى القرطبي في تفسيره لسورة التحريم ، وآية: {لاّ يَحِلّ لَكَ النّسَآءُ ...} (52) الموجودة في الأحزاب تجد ما فيه الكفاية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت