فهرس الكتاب

الصفحة 688 من 4557

وكان صلى الله عليه وسلم إذا أراد السفر أقرع بين نسائه ، فأيتهن خرج سهمها خرج بها ؛ تحقيقًا لجانب العدل ، ولما حج أخذهن كلهن معه . ولما مرض عليه السلام مرضه الأخير شقّ عليه أن ينتقل بين بيوت نسائة كل يوم كما كان يفعل في حال صحته ، فكان يسأل - كما روى البخاري -: أين أنا غدًا ؟ أين أنا غدًا ؟ يريد يوم عائشة ، فأذن له أزواجه كلهن أن يكون حيث شاء ، فختار بيت عائشة وفيه توفي ، وروى أبو داود أنه بعث في مرضه إلى نسائة فاجمعهن ، فقال: ( إني لا أستطيع أن أدور بينكن ؛ فإن رأيتنّ أن تأذنّ لي أن أكون عند عائشة ) فأذنّ له ، ومن حكمة ذلك أن يدفن في بيتها ، وقد كان صرح من قبل بأنه يدفن حيث يموت.

وقس على عدله بالمبيت عدله صلى الله عليه وسلم بالنفقة واللطف والبشاشة والتكريم.

ب - احترامه لآرائهن: كان عليه الصلاة والسلام يقبل من نسائه أن يراجعنه فيما لا يرضين به ، فلا يسخطه ذلك ، حتى أصبح نساء الصحابة يقتدين بهن ، فقد روى الطبري عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال: ( فَصِحْتُ على امرأتي فراجعتني ، فأنكرت أن تراجعني ، فقالت: ولِمَ تُنكِر أن أراجِعَك ؟ فوالله إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعنه ) .

ت - مساعدته في خدمة البيت: روى الطبري وغيره عن عائشة أنها لما سئلت: ماذا كان يصنع الرسول صلى الله عليه وسلم في البيت قالت: ( كما يصنع أحدكم ، يشيل هذا ، ويحط هذا ، ويخدم في مهنة أهله ، ويطح لهن اللحم ، ويقمّ البيت ، ويعين الخادم في خدمته ) وفي رواية: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخصف نعله ، ويخيط ثوبه ، ويعمل في بيته كما يعمل أحدكم في بيته ) .

ث - استنكاره ضرب النساء: روى ابن سعد في طبقاته أن سبعين امرأة شكين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب رجالهن لهن ، فأغضبه ذلك ، وقال: إنه لا يحب أن يرى ذلك أبدًا ، وقال: عندما شكت له مرأة ضرب زوجها: ( يظل أحدكم يضرب امرأته ضرب العبد ، ثم يظل يعانقها ولا يستحي ) وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم ينكر على الناس ضرب نسائهم ، فإن أعطى لأصحابه القدوة العملية في الملاطفة ، وعدم ضرب النساء ، فقد روى ابن سعد عن عائشة أنها قالت: ( ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده امرأة قط ، ولا خادمًا ، ولا ضرب شيئًا قط ؛ إلا أن يجاهد في سبيل الله ) .

ج - وفاؤه لمن مات منهن: من المعلوم أن خديجة بنت خويلد رضي الله عنها ، كانت أول زوجاته صلى الله عليه وسلم فقد قضى معها زهرة شبابه ، وعنفوان رجولته ، ولما ماتت ظل النبي صلى الله عليه وسلم طول عمره يذكرها ، ويكرم صديقاتها ومعارفها.

وذكرت كتب التاريخ والسِّير أن عجوزًا زارت النبي صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة ، فأكرم مثواها ، وبسط لها رداءه فأجلسها عليه ، فلما انصرفت سألته عائشه عنها لتعلم سبب إكرامه لها ، فأخبرها أنها كانت تزور خديجة .

وروى ابن عبد البر والدَّوْلابي أن عائشة كانت تغار من خديجة كلما ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقالت له مرة: هل كانت إلا عجوزًا أبدلك الله خيرًا منها؟ - تعني نفسها- فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ( لا والله ماأبدلني خيرًا منها ، آمنت بي إذ كفر الناس ، وصدقتني إذ كذبني الناس ، وواستني بمالها إذ حرمني الناس ، ورزقني الله منها الولد دون غيرها من الناس ) قالت عائشة: فقلت في نفسي لا أذكرها بعدها بسيئة أبدًا.

وروى الشيخان عن عائشة أنها قالت: (ماغرتُ على أحد من نساء النبي صلى الله عليه وسلم ما غرت على خديجة ، وما رأيتها قط ، ولكن كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر ذكرها ، وربما ذبح الشاة ، ثم يطعها أعضاءً ، ثم يبعثها في صدائق خديجة ، وربما قلت له: لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة ؟! فيقول إنها كانت وكانت ، وكان لي منها ولد ، وإني لأحب حبيبها ) .

ح - مداعبتهن والبشاشة لهن: كان عليه الصلاة والسلام يبسم دائمًا في وجه نسائه ، ويلين لهن ، ويجاملهن ويؤانسهن ، فقد روى ابن سعد عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ألين الناس ، وأكرم الناس ، وكان رجلًا من رجالكم إلا أنه كان يسّامًا ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت