فهرس الكتاب

الصفحة 687 من 4557

قالت: أفلا أخطب عليك ؟ قال: بلى ، فإنكن معشر النساء أرفق بذلك ، فخطبت عليه سودة بنت زمعة ، و عائشة بنت أبي بكر . وفي رواية: قالت خولة للنبي صلى الله عليه وسلم: أي رسول الله ألا تزَوَّج؟ قال: من ؟ قالت: إن شئت بكرًا ، وإن شئت ثيّبا ، قال: فمن البكر ، قالت: بنت أحب خلق الله إليك عائشة بنت أبي بكر ، قال: ومن الثيب ؟ قالت: سودة بنت زمعة؛ آمنت بك واتبعتك ، قال: فاذهبي فاذكريهما عليّ .. قالت عائشة: فجاءت فدخلت بيت أبي بكر فوجدت أمّ رومان ، فقالت خولة: ما أدخل الله عليكم من الخير والبركة ؟!. قالت: وماذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم أخطب عليه عائشة ، قالت: وددت ، لو تنتظرين أبا بكر ، فجاء أبوبكر فذكرت له ، فقال: وهل تصلح له وهي بنت أخية ؟ فرجعت فكذرت ذلك لنبي صلى الله عليه وسلم ، فقال: ( قولي له: أنت أخي في الإسلام وابنتك تحل لي ) .

وهنا نقف لحظة لنعرف ماذا يقصد الدِّيق أبو بكر من قوله: ( وهل تصلح له وهي بنت أخيه ؟) يقصد أن الرابطة الأخوية الصادقة التي تربطه برسول الله صلى الله عليه وسلم بلغت في القوة والمتانة مبلغ رابطة إخوّة النسب ، فما كان يتصور رضي الله عنه أن عائشة تحل له ، وماكان يدور في خلده أن يجوز للرسول صلى الله عليه وسلم أن يتزوج بابنته ؛ ولكن لما علم أبو بكر قول النبي صلى الله عليه وسلم الذي نقلته له خولة: (أنت أخي في الإسلام وابنتك تحل لي ) ، لما علم ذلك هشّ لهاذا الزواج وفرح به ، بل كان مفتخرًا بهذه المصاهرة معتزًا بها على مدى الأيام ؛ فإذا اجتمعت فضيلة وإخوة الدين ، وفضيلة المصاهرة ، وفضيلة الصحبة والسبق إلى الإسلام في إنسان ، فلتكن في أبي بكر الصديق ، فقد جمع الخير من كل جهاته ، وحاز المجد من جميع أطرافه رضي الله عنه وأرضاه .

أما زواجه بحفصة بنت عمر أم المؤمنين ، فقد روى ابن الأثير في أسد الغابة حفصة كانت متزوجة بخنيس بن حذافة السَّهمي ، وكان من المهاجرين الأولين إلى أرض الحبشة ، وممن شهدوا بدرًا ، ومات في المدينة متأثرًا بجراحه بعد موقعة أحد ، فرأى عمر أن يزوجها ، فعرضها على أبي بكر فسكت ، وعرضها على عثمان بعد موت زوجه رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: ماأريد أن أتزوج اليوم ، وإنما كان يرجوا أن يزوجه النبي صلى الله عليه وسلم بنته أم كلثوم ، وقد ساء عمر رضي الله عنه ماكان من أبي بكر وعثمان ، وهنا الكفئان الكريمان لابنته ، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: ( يتزوج حفصة من هو خير من عثمان ويتزوج عثمان من هي خير من حفصة ) ، فلقي أبو بكر عمر فقال: لا تَجدْ عليّ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر حفصة فلم أكن لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولو تركها لتزوجتها ، وكان زواج الرسول صلى الله عليه وسلم بحفصه سنة ثلاث من الهجرة على القول الراجح.

نعم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج عائشة في السنة الثانية من الهجرة ، فكان هذا قرّة عين لوزيره الأول ، وصاحبه في الغار ، وتزوج في حفصة في السنة الثالثة من الهجرة ليسوي بين عمر وبين أبي بكر في شرف المصاهرة ، ومتانة الصحبة ، ولم يكن في الإمكان أن يكافئهما على صدقهما وإخلاصهما وجهادهما في هذه الحياة بشرف أعلى من هذا الزواج ، وأكرم من تلك المصاهرة.

لولا الذي فعلة الرسول صلى الله عليه وسلم من الزواج بحفصة لكانت حسرة في قلب عمر ، ولوعة تعتلج نفسه وصدره ؛ فما أكرم سياسته صلى الله عليه وسلم ، وما أعظم وفاءه للأصحاب المخلصين! ..

(19) خلة: حاجة.

(20) هي ام عائشة.

وأما إعطاء القدوة فإن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الأسوة الحسنة والمثل الكامل في حسن معاشرته لأزواجه ، وإرادة الخير لهن ، وتحقيق العدل بينهن ، ولا بأس أن نذكر طرفًا من هذه المعاملة الطيبة حتى يتأسى المتزوجون بها ، ويمشوا على هديها ونهجها ، وبالتالي حتى يعلم كل ذي عقل وبصيرة الحكمة من هذا التعدد والسر من هذا الجمع.

أ - القسمة بالعدل: كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحرص على أن يقسم أوقاته بالعدل بين نسائه جميعًا ، وكان يدور عليهن كل يوم امرأةً امرأةً ، إلى أن يصل إلى التي عندها الدور (فيبيت عندها) ، ولما كبرت سودة بنت زمعة وهبت يومها وليلتها لعائشة ، تبغي رضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها ، روى أحمد وأصحاب السنن أن سودة بنت زمعة لما أسنّت وخافت أن يفارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ قالت يارسول الله: وهبتُ يومي لعائشة ، فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك منها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت