فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وهذا المعلوم عن الصحابة من المحكم الذي لا يقبل الجدل.. وأما ما نقله فإنه في الحقيقة لا يعارضون ما قررته آنفا..
وحاصل ما في هذه الرواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استأذنه القوم في نحر إبلهم فأذن لهم في ذلك، ومثله ما علمناه من الشارع من الإذن في عمل المباحات، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم علم بعد ذلك أنهم إن نحروا إبلهم لم يبق لهم شيء بعدها فلم يأذن لهم وأمر الناس أن يتصدقوا عليهم، و «توالى المشي ربما أدى إلى الهلاك» (185) .
وما فعله عمر إنما هو بيان لحقيقة المسألة، فلما ذكرها للرسول صلى الله عليه وسلم بين حكمها وأمر الناس بالصدقة، فأين المعارضة؟
ثم إننا قد علمنا من السنة في مواضع كثيرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه ، فيببينون له حاجتهم واستفساراتهم ثم يجيب عليها حسب الواقعة، ثم إذا تجدد له علم بحقيقة الواقعة بين حكمها بحسب ما يتجدد على جواز المشورة على الإمام بالمصلحة وإن لم تتقدم منه الاستشارة (186) .
ألم تر إلى منزله صلى الله عليه وسلم في بدر حيث بين له بعض أصحابه أن هذا لا يصلح منزلًا لقتال القوم، فأمر رسول الله باتخاذ منزل آخر، ولم يكن في قول الحباب بن المنذر معارضة لرسول الله.
وكذلك قصة تأبير النخل فإنه أمرهم أن لا يؤبروا النخل، لظنه أن ذلك لا ينفعه فلما عُلِم أن النخل لم يثمر فاشتكى له أصحابه أجاز لهم ذلك، وأخبرهم أنه لا يعلم بحقيقة الواقعة؛ حيث قال: «أنتم أعلم بأمور دنياكم» ، وهذه الحوادث مشهورة معلومة.. وكذلك ما نحن فيه لم يعلم عليه الصلاة والسلام بأنهم إذا نحروا لإبلهم لا يبقى لهم شيء، فلما علم أمر لهم بالصدقة.
وفي هذه الحادثة نفسها لو أن رسول الله أمر بذبح الإبل- بعد أن بين له عمر أنه لا يبقى لهم شئ- لما عارضه أحد من الصحابة، فكيف يتصور أحد أن في هذا معارضة..
ومن المعلوم أن المفتي قد يفهم الواقعة التي استفتي فيها على غير وجهها -أما لعدم العلم بحقيقتها أصلًا أو لعدم وضوحها- ثم يفتي فيها بحسب ما فهم فإذا بين له أن الواقعة ليست كذلك، بل هي كذا وكذا نظر في حكمها بهذا الاعتبار فكان لها حكم آخر، ولا يقال أن الحكم قد تغير.. ولا يقال أن البيان لحقيقة الواقعة معارضة.. والله أعلم.
ولنأتي بمثال تطبيقي نرد به على القائلين بتقديم المصلحة على النص، وهو موقف عمر من أبي بكر في حرب الردة؛ حيث تظهر فيه مقابلة المجتهد النص بالمصلحة التي يحسبها شرعية.. ولننظر أيقبل ذلك منه أو لا؟
روى البخاري بسنده عن عبدالله بن عتبة أن أبا هريرة قال: لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر وكفر من كفر من العرب، قال عمر: يا أبا بكر كيف نقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله» .
قال أبو بكر: «والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها، فقال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت أن قد شرح الله صدر أبي بكر لقتال فعرفت أنه الحق» (187) .
وقد سأل الناس أبا بكر في رد أسامة ليستعين به وبمن معه على قتال أهل الردة فأبى.. والذين سألوه ذلك إنما أرادوا العمل بالمصلحة، إذ المصلحة في الظاهر إبقاء الجيش ليقاتل مع المسلمين أهل الردة، بل إن عمر ظن أن المصلحة في ترك قتال أهل الردة، فلما بين لهم أبو بكر أن ما يرونه إنما هو مخالف لما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تركوا ما ظنوه مصلحة- وهم مجتهدون- وعملوا بما ورد في النص.
وفي هذا دليل على أن المصلحة التي تعارض النص مردودة، وحتى وإن ظن المجتهد أنها مصلحة، وآية قبولها شهادة الشرع لها، فإذا لم يقبلها، فكيف يتصور أحد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل من أحد معارضة النصوص بالمصلحة، التي يدعوا لها هؤلاء الكتاب!
ولذلك لم يقبل أبو بكر من أحد شيئًا من ذلك حتى مع أنهم مجتهدون بل بين ووضح، قال الإمام الشَّاطِبي:«ولما منعت العرب الزكاة عزم أبو بكر على قتالهم، فكلمه عمر في ذلك، فلم يلتفت إلى وجه المصلحة في ترك القتال، إذ وجد النص الشرعي المقتضي لخلافه، وسألوه في رد أسامة ليستعين به وبمن معه على قتال أهل الردة، فأبى لصحة الدليل عنده بمنع رد ما أنفذه رسول الله صلى الله عليه وسلم (188)
فهذه القصة تصلح مثالًا لمقابلة المصلحة للنص، وفي النهاية تحمل دلالة قوية على أن المصلحة المقابلة للنص لا عبرة بها، حتى وإن كانت من كبار المجتهدين.
وبعد هذا لا ينبغي لأحد أن يتصور أن المصلحة يمكن أن يعارض بها النص، وأن أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعارض أمره- وهو يعلم- بالمصلحة فضلًا أن يقره رسول الله على ذلك، والله أعلم.