فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ومن المفيد هنا أن نقول إن كل ما في جيل الصحابة رضي الله عنهم ورضوا عنه، موضع للقدوة المباركة، حتى اجتهادهم الذي يعلمون أنه بعد ذلك مخالف للصواب فيرجعون عنه، هو موضع قدوة، لأن فيه معنى الرجوع إلى الحق واطِّراح مجرد التفكير البشري، والصبر عن متابعة رغبات النفس وحظوظها. وما أشد حاجتنا اليوم إلى مثل هذه الأخلاق الإيمانية والمواقف العظيمة التي لا يتحقق الصدق في الدين إلا بها.
6-استدل المؤلف أيضًا على ما سبق- من قوله: إن من الأحكام ما يدور مع المصلحة ويتبدل بتبدلها وأن الصحابة مجمعون على ذبك بما روى أبو داود بسنده إلى جنادة بن أبي أمية قال: «كنا مع بسر بن أرطأة في البحر فأتي بسارق يقال له مصدر قد سرق بختية، فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تقطع الأيدي في السفر ولولا ذلك لقطعته» (189) . وفي رواية الترمذي والدارمي «في الغزو» بدل السفر» (190) .
قال صاحب تعليل الأحكام: «هكذا ورد الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مجردًا من بيان سبب هذا النهي، فماذا فهم أصحابه فيه من بعده؟ أوقفوا عند النصوص وقصروا النهي على حد السرقة، وقالوا إن الشريعة نصوص تعبدنا الشارع بها، أم فهموا أن هذا النهي معلل بعلة قصد به دفع مفسدة عن الأمة أو جلب مصلحة لها؟» (191) .
قال د. شلبي: «ولو تأملت هذه التعليلات في تلك الآثار لو جدت اختلافًا حسب اختلاف الأشخاص، فعمر وزيد رضي الله عنهما عللا بخوف اللحاق، وهذا يكون في الرجل العادي من الجيش، وأبو مسعود وحذيفة لم يعللا بذلك؛ لأن مثل أمير الجيش لا يلحق بالعدو عادة، بل يطمع العدو فيهم ويظهر ضعفهم أمامه إذا أقاموا عليه الحد، وإن كان الكل يلتقي عند شئ واحد وهو لحوق الضرر بسبب ذلك الفعل... وهذا التعليل لم يخالف نصًا ولا قياسًا ولا إجماعًا، وليس فيه إلا تأخير الحد لمصلحة راجحة، أما من حاجة المسلمين إليه أومن خِيف ارتداده ولحوقه بالكفار، ومثل هذا التأخير لعارض أمر وردت به الشريعة، كما يؤخر الحد عن الحامل والمرضع وعن وقت الحر والبرد والمرض، وهو لمصلحة المحدود خاصة، فما بالك بما هو لمصلحة الإسلام عامة؟ فهذا النوع ورد الحكم فيه غير معلل فعللوه بما يترتب على الفعل من ضرر» (192) .
مناقشته: أُسَلِّم للمؤلف ما ذكره من هذه الروايات، وأخالفه في النتيجة التي رتبها على ذلك..
وبيان ذلك: أن المسألة الفقهية وهي «أن الحدود لا تقام في أرض العدو، منقولة عن الصحابة، وهو مذهب الأوزاعي وإسحاق وأحمد، وقال الشافعي يؤخره حتى يأتي الإمام لأن إقامة الحد إليه (193)
واستدل من قال بالتأخير بالأدلة التي سبق ذكرها وهي حجة لهم (194) ، وهو الصحيح.. وبقي أن نتعرف على سند هذه المسألة هل هو المصلحة المجردة؟ وهل يؤدي القول بأن الحدود لا تقام في أرض العدو إلى تغير الحكم الذي دل عليه النص الشرعي وهو وجوب إقامة الحدود؟
والجواب أن سند هذه المسألة هو القاعدة المعروفة بقاعدة « سد الذرائع » وهي قاعدة عمل الصحابة والسلف الصالح بها، قال الإمام الشَّاطِبي: « أن قاعدة الذرائع إنما عمل السلف بها بناء على هذا المعنى، كعملهم في ترك الأضحية مع القدرة عليها،وكإتمام عثمان الصلاة في حجة بالناس، وتسليم الصحابة له في عذره الذي اعتذر به من سد الذريعة (195) إلى غير ذلك من أفرادها التي عملوا بها، مع أن المنصوص فيها إنما هو أمور خاصة كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقُولُوا رَاعِنَا } (196) .
وقوله: { وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ} (197)
وفي الحديث: «إن من أكبر الكبائر أن يسب الرجل والديه» (198) وأشباه ذلك وهي أمور خاصة لا تتلافى مع ما حكموا به إلا في سد الذريعة» (199) .
وهذه القاعدة لها في الشريعة أدلة كثيرة وقد أحصى منها الإمام ابن القيم في كتابه أعلام الموقعين تسعة وتسعين وهي تدل على أن وجوب سد الذريعة قاعدة من القواعد الشرعية قال: «وباب سد الذرائع أحد أرباع التكليف» (200) .
والاستقراء كما عبر عنه الشَّاطِبي هو: «استقراء مواقع المعنى حتى يحصل منه في الذهن أمر كلي عام، فيجري في الحكم مجرى العموم المستفاد من الصيغ» (201) . ومن فوائد هذه القاعدة البناء والتفريغ، ذلك أنها تتضمن معنى - وهو السد - وقد استقرأت الأدلة من الكتاب والسنة فأفادت اعتبار الشارع له، بحيث لم يعد المجتهد يحتاج إلى دليل خاص إذا أراد أن يحكم على نازلة خاصة، بل يدخلها تحت عموم المعنى...