فهرس الكتاب

الصفحة 807 من 4557

يقول الإمام الشَّاطِبي: «ولهذه المسألة فوائد تنبي عليها أصلية وفرعية، وذلك أنه إذا تقررت عند المجتهد ثم استقرئ معنى عامًا من أدلة خاصة واطرد له ذلك المعنى لم يفتقر بعد ذلك إلى دليل خاص على خصوص نازلة تَعِنُ، بل يحكم عليها وإن كانت خاصة، بالدخول تحت عموم المعنى المستقرئ من غير اعتبار بقياس أو غيره، إذا صار ما استقرئ من عموم المعنى كالمنصوص بصيغة عامة، فكيف يحتاج مع ذلك إلى صيغة خاصة بمطلوبه » (202) .

وقرر الإمام الشَّاطِبي على هذا أن الإمام الشافعي والإمام أبا حنيفة يعتبران سد الذريعة، وما وقع الخلاف فيه من المسائل الجزئية لا يدل على عدم اعتبار هذه القاعدة عندهم، بل امتنع دخول بعض المسائل تحتها لوجود عارض يمنع من ذلك (203) ، وهذا ما قرره الدكتور حسين حامد حسان في كتابه نظرية المصلحة؛ حيث استند على أدلة كثيرة في بيان أن الشافعي وأبا حنيفة وأحمد يسدون الذريعة فقال: «والخلاصة أن قاعدة الذرائع قاعدة متفق عليها بين الأئمة» (204) ..

فإذا انضاف إلى ذلك عمل السلف بها من الصحابة ومن بعدهم تقرر عند المجتهد أن هذه القاعدة تدخل تحتها مفردات كثيرة ومن هذه المفردات مسألتنا هذه وهي منع إقامة الحدود في أرض العدو، وهذا من تطبيقات سد الذرائع فهو في الأصل فعل مأذون فيه، بل يجب تطبيق الحدود إذا تحققت الشروط الشرعية، ومنع تطبيق الحدود في الغزو سدًا للذريعة الفساد، وهذا الفساد متحقق إما في لحوق المحدود بالعدو، وإما بطمع الأعداء في المسلمين إن كان المحدود أميرًا فيهم (205) .

فرجوع هذه المسألة إلى قاعدة سد الذرائع المعمول بها عند الصحابة والتابعين والأئمة هو السند الحقيقي لها.

ولا تفتقر بعد ذلك إلى نص خاص ولا قياس ولا إجماع.. فمنع إقامة الحدود في أرض العدو ليس مستندًا إلى مصلحة مجردة، وليس مؤديًا إلى تغير الحكم الذي جاءت به النصوص وهو حكم ثابت لا يتغير، ومن شروط تطبيقه أن تنتفي الشبهة كما مر سابقًا، وأن تؤخر الحامل والمرضع ولا يكون الوقت شديد الحر أو شديد البرد، وأن يكون في أرض العدو..

وهذه المسائل والتقسيمات ثابتة ومنها ما شهد له نص خاص، ومنها ما شهدت له قاعدة سد الذرائع وهكذا.. فلا يقال إن عدم تطبيق الحدود في المجاعة تغير للحكم، وأن الصحابة بدلوا بعض الأحكام وغيروها، ولا أن عدم تطبيق الحدود في الغزو اتبع فيه التعليل الذي أدى إلى تغير الحكم وتبديله، بل هذه المسائل إنما اتبع فيها النص الخاص كما في الأول، وقاعدة الذرائع كما في الثاني، ولا وجه لقول المؤلف وهو يستدل بمثل هذه الوقائع، أن من الأحكام ما يتبع المصلحة ويتبدل بتبدلها، وأن ذلك هو فعل الصحابة فكان إجماعًا.

وبعد: فقد تبين لنا من عرض هذه الأمثلة عند المؤلف أنها لا تدل له على ما ذهب إليه، وأنه لم يفرق بين تنقيح المناط، وبين تحقيق المناط الذي هو نظر المجتهد في الواقعة..

ومثال الأول قول الشارع: «كل مسكر حرام» ، ومثال الثاني قولنا: هذا الشراب مسكر.

فإذا نظر الفقيه في شرابٍ ما فعلم أنه مسكر ثم طبق عليه حكم الشارع، فعمله هذا يسمى «تحقيق المناط» ، وهذا يمكن أن يتغير بحسب ثبات الحالة التي أمامه، فإذا استقر الشراب على حالته الأولى فكان مسكرًا أفتى الفقيه بالحرمة، وإذا تغير فزال الإسكار عنه- كأن أصبحت الخمر خلًا- فأتى بجواز استعمالها، فإن هذا لا يعد تغيرًا في حكم الخمر وهو التحريم، بل هو حكم ثابت.

ومثل ذلك موقف عمر من المؤلفة فإنه إنما حقق مناط المسألة، ولم يغير الحكم وهو وجوب إعطائهم، ولم يمنع العمل بالآية (206) .

وكذلك مسألة تطبيق الحدود فإنه مشروط بشرط فإذا لم تتحقق فلا تطبق، وليس ذلك لوجوب إقامة الحد.

ومثل ذلك منع خروج النساء إلى المساجد..

وأما مسألة حد الخمر فإنما اتبع الصحابة فيها المصلحة التي شهد لها أصل كلي، ولم يتبعوا فيها مجرد المصلحة، ولم يغيروا بها شيئًا، وكما أن هذه المسألة سندها المصلحة التي شهد لها الشارع، فإن سد الذريعة هي سند الصحابة في منع حد السكر ونحوه في الغزو.

وهكذا فقي مسألة قصر عثمان رضي الله عنه الصلاة في الحج وترك الأضحية فإنها من باب سد الذريعة، والمؤلف لم يشر إلى هذا، وكأن الصحابة يتصرفون في الأدلة بغير ضابط شرعي (207) ..

المطلب الرابع: بيان موقف الصحابة رضوان الله عليهم من النصوص:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت